توام زعيم المافيا
توأم زعيم المافيا التلاتة عمرهم ما نطقوا كلمة… لحد ما شاوروا على جرسونة وقالوا لها: «ماما».
لما أخطر راجل في القاهرة دخل مطعم «مارينو» ومعاه 3 أطفال بيصرخوا، كانت منى هاني بالفعل عاشت أسوأ حاجة ممكن أم تعيشها.
وعشان كده، ريان الكاستيلو ماخوفهاش في البداية.
جرس الباب رن رنة واحدة حادة، وفجأة المطعم كله كأنه نسي يتنفس.
الشوك وقفت في نص الطريق للبق.
الكلام انقطع على الترابيزات.
حتى موسيقى الجاز القديمة اللي كانت طالعة من سماعات السقف بقت كأنها أوطى، وكأن الموسيقى نفسها عارفة إن مينفعش صوتها يعلى في وجود ريان الكاستيلو.
دخل ببدلة رمادي غامق، مفصلة عليه بدقة تخوف.
راجلين ماشيين قدامه.
واتنين وراه.
وفي النص، كان ريان بيزق عربية أطفال مخصوصة للتلاتة، عريضة لدرجة إنها قفلت نص الممر، وفخمة كأن مكانها معرض عربيات مش مطعم إيطالي زحمة.
الأطفال كانوا جميلين.
وكانوا كمان في قمة الغضب.
واحد من الولدين كان وشه أحمر من كتر الصريخ.
والتاني رمى دبدوب قطيفة على الأرض، وكان بيخبط برجليه الصغيرة في العربية.
أما البنت، فكانت بتعيط بجسمها كله، إيديها الصغيرة مقفولة، وخدودها مليانة دموع، وشعرها الكيرلي بيتنطط مع كل شهقة.
منى كانت بتراقبهم من شباك المطبخ، ماسكة صينية عليها كوبايات مية، وحاسة بوجع في قلبها عمرها ما عرفت تسميه.
3 توائم.
بعدت عينيها بسرعة.
—منى.
همس بيتر، مدير المطعم، من جنب ماكينة القهوة.
كان العرق مغرق جبينه.
—خدي ترابيزة 12.
فجأة، كل الجرسونات اللي في المطبخ لقوا حاجة مهمة يعملوها.
واحدة وطت تربط الجزمة رغم إنها كانت مربوطة.
واحدة عملت نفسها بتملى سلال العيش.
والتالتة همست:
—مستحيل… أنا عندي عيال.
منى بصت لبيتر.
—إنت عايزني أنا أخدم ريان الكاستيلو؟
—أنا عايزك تبطلي أسئلة وتعملي شغلك.
زق المنيوهين في دراعها بعنف.
—لو بوظتي الموضوع، هطردك. سمعاني؟ هتطردي.
منى كانت هتضحك.
تطرد.
كأن حياتها نفسها ماطردتهاش من كل حاجة من 14 شهر.
كان عندها 28 سنة لما فتحت عينيها في أوضة الإفاقة في المستشفى.
زورِها كان ناشف.
جسمها محطم.
وجواها فراغ مفيش دكتور في العالم يقدر يقفله.
كانت فاكرة ريحة المطهر.
السقف الأبيض.
وصوت الممرضة الهادي وهي بتقول:
—أنا آسفة جدًا يا مدام منى… ولا طفل من التلاتة عاش.
3 أطفال.
ولدين وبنت.
شالتهم تحت قلبها شهور وهي بتشتغل وتصلي وتكلمهم كل ليلة في شقتها الصغيرة.
كانت وافقت تدخل برنامج أم بديلة عشان مصاريف علاج أمها من السرطان كانت خدت كل اللي معاهم.
ولأن المكتب وعدها إن الأطفال هيروحوا لعيلة بتحبهم.
ولأن منى كانت فاكرة إن تضحية واحدة ممكن تنقذ الإنسان الوحيد اللي باقي لها في الدنيا.
لكن أمها ماتت برضه.
وبعدها الأطفال ماتوا.
أو ده اللي قالوه لها.
بعد كده، الأكل بقى الحاجة الوحيدة في الدنيا اللي مابتسيبهاش.
جسمها اتغير.
الزي بتاعها بقى أضيق.
والزباين بقوا يبصوا من خلالها، أو يتجاهلوها، أو يبصولها بنظرات حكم فاكرين إنها مش واخدة بالها منها.
منى كانت بتشوف كل حاجة.
بس مبقاش عندها طاقة تهتم.
زقت باب المطبخ وراحت ناحية ترابيزة ريان الكاستيلو.
كل ما قربت، كانت بتحس إن عيون المطعم كلها ماشية وراها.
ريان كان قاعد في الركن البعيد، في الترابيزة اللي المدير كان بيسيبها دايمًا للسياسيين والمشاهير والناس اللي بتحب تدفع كاش وماتتصورش.
الحراس واقفين حواليه زي الحيطة.
وريان نفسه كان قاعد متصلب، بيدلك صدغه بصباعين.
—كفاية.
قالها للأطفال بصوت هادي.
الأطفال صرخوا أكتر.
واحد من الحراس نفسه اتخض.
منى وصلت للترابيزة وحطت كوبايات المية بحذر.
—مساء الخير.
قالتها بصوت هادي، نفس الصوت اللي كانت بتتكلم بيه من غير ما تحس كل ما تسمع طفل بيعيط.
—واضح إن الليلة صعبة على الكل.
ريان رفع عينيه.
منى حسّت بقوة نظرته وكادت توقع المنيوهات.
عيونه كانت أزرق رمادي غامق، باردة زي بحر إسكندرية في عز الشتا.
بصلها.
للمريلة.
لإيديها اللي بتترعش.
وبعدين ثبت عينيه عليها كأنه قادر يقرا كل فاتورة متأخرة، وكل ليلة مانامتهاش، وكل سر مليان وجع شايلاه جواها.
الولد الأصغر صرخ ورمى الدبدوب تاني.
منى وطت قبل ما حد يمنعها.
ركبها وجعتها، لكنها شالت اللعبة، نفضتها، ومدتها له.
—إيه يا حبيبي؟ الدبدوب ده شكله تعب من الطيران النهارده، مش كده؟
المطعم كله سكت.
مش هدوء.
جمود.
الولد الأول بطل عياط.
بقه فضل مفتوح، لكن مفيش صوت طلع.
بص لمنى كأن باب اتفتح فجأة جوا ذاكرته الصغيرة.
وبعدين الولد التاني لف.
وبعدين البنت.
منى اتجمدت والدبدوب في إيدها.
3 أزواج من العيون العسلية ثبتوا عليها.
حراس ريان اتحركوا.
واحد منهم حط إيده ناحية جاكيت بدلته.
منى وقفت ببطء.
—أنا آسفة… ماكنتش أقصد…
الولد الأول مد إيده ناحيتها.
صوابعه الصغيرة فتحت وقفلت في الهوا.
ملامحه اتغيرت.
ماكنش غضب المرة دي.
كان اعتراف ولهفة.
—ماما.
الكلمة ضربت المطعم كأنها طلقة رصاص.
منى بطلت تتنفس.
الولد التاني شاور عليها.
—ماما… ماما.
والبنت الصغيرة بدأت تتنطط في مكانها، بتعيط وبتضحك في نفس الوقت.
—مامي!
ست قاعدة جنب البار شهقت.
ريان الكاستيلو وقف بسرعة لدرجة إن الترابيزة اتحركت.
الموقف كان سريالي لدرجة إن منى حست بقلبها بيدق في ودنها وكأنها في حلم أو كابوس. ريان الكاستيلو كان واقف، عيونه متسعة بذهول لا يليق براجل زيّه، بيبص من الولاد لمنى، ومن منى للولاد. مفيش حد في المطعم تجرأ يتنفس؛ بيتر مدير المطعم كان وشه أبيض كالملاية ومستني “الكارثة” اللي ممكن تحصل.
منى كانت واقفة، جسمها متشنج، إيديها لسه ممدودة بالدبدوب، والكلمة كانت بترن في كيانها: “ماما”. 14 شهر وهي ميتة من جوه، وفجأة الكلمة دي جت عشان تحيي الحزن في عروقها تاني.
ريان اتكلم، صوته كان مختلف، كان خشن ومخنوُق:
— “إيه اللي بيحصل ده؟”
منى بصت لريان، كان فيه غضب في عيونها ممزوج بوجع مالوش حدود، قالت بصوت يادوب مسموع:
— “أنا معرفش.. أنا بس.. كنت بساعده.”
الولد اللي نطق الأول ساب العربية بمهارة وبدأ يزحف ناحيتها، والبنت بدأت تصرخ: “مامي.. مامي!”، ريان أشار لحراسه بإيده عشان يرجعوا لورا، وكأنه خايف إن أي حركة عنيفة تكسر “المعجزة” اللي قدامه.
ريان قرب من منى، ملامحه كانت متوترة، وبص لها بتركيز كأنه بيحاول يفتكر حاجة:
— “الولاد دول مبيكلموش حد.. بقالهم سنة كاملة مبيطقوش حد يقرب منهم، حتى المربيات اللي دفعنا فيهم ملايين، كانوا بيصرخوا في وشهم..”
منى حست بدمعة سخنة بتنزل على خدها، مسحتها بسرعة وبصت للولد: “ممكن يا ريان بيه.. تشيل إيد الحراس؟ الولاد خايفين.”
ريان، ولأول مرة في تاريخه، نفذ طلب “جرسونة” من غير ما يفكر. أشار للحراس، اللي تراجعوا لورا بخطوات مرتبكة.
منى وطت، وخدت الولد الصغير في حضنها.. في اللحظة اللي جسمها لمس جسمه، حست بحرارة غريبة، إحساس بالانتماء، إحساس وكأن روحها اللي ضاعت في المستشفى من 14 شهر رجعت سكنت جسدها تاني. الولد دفن وشه في رقبتها، وبدأ يهدأ تماماً.
ريان بص للولاد وبعدين لمنى، وقال بصوت واطي ومريب:
— “أنا اشتريت الولاد دول من مكتب “تبني” دولي مرموق بعد الحادثة اللي فقدوا فيها والدتهم.. قالولي إنهم يتامى من حادثة سير.”
منى رفعت عينيها لريان، وعيونها كانت بتلمع بغضب وصدق:
— “الحادثة اللي قالولك عليها.. كانت في مستشفى الفجر؟”
ريان اتجمد: “عرفتي منين؟”
منى دموعها نزلت بشلالات:
— “لأني كنت أنا اللي هناك.. أنا اللي ولدتهم، وأنا اللي قالولي إنهم ماتوا.”
المطعم فجأة بقى ساحة معركة من المشاعر. ريان الكاستيلو، زعيم المافيا اللي بيخاف منه القاصي والداني، لقى نفسه قدام حقيقة بتقول إن كل صفقاته كانت مبنية على سرقة أطفال!
الوضع الآن خطير جداً.. ريان كده وط، ومنى عرفت إن أطفالها ما ماتوش
ريان الكاستيلو سحب منى من دراعها بلطف غريب، وزق عربية الأطفال ناحية المكتب الخلفي للمطعم بعيداً عن عيون الزباين الفضولية. الحراس قفلوا الأبواب، وبيتر المدير كان واقف بعيد بياخد نفسه بصعوبة.
ريان بص لمنى، ملامحه كانت مزيج من الصدمة، والشك، وحاجة تانية.. يمكن “الرحمة” اللي ما حدش شافه بيستخدمها قبل كده.
— “مستشفى الفجر؟” سأل ريان وصوته بيتحول لنبرة حادة كأنها نصل سكين. “المستشفى دي اتقفلت من سنة بتهمة تجارة الأعضاء وتزوير شهادات الوفاة. قوليلي الحقيقة يا منى.. قوليلي كل كلمة حصلت يومها.”
منى قعدت على أقرب كرسي، الولاد كانوا لسه متمسكين بهدومها، والبنت بدأت تتهز في حضنها وهي بتصدر أصوات هادية. بدأت منى تحكي، صوتها كان متقطع، حكت عن حاجتها لفلوس علاج أمها، عن اتفاقها مع المكتب، عن لحظة الولادة اللي قالولها بعدها “ماتوا”، وعن الكذبة اللي عاشت فيها 14 شهر وهي فاكرة إن حتة من روحها اندفنت في الأرض.
ريان سمعها وهو بيمشي في الأوضة، إيديه ورا ضهره، وعيونه بتلمع ببريق خطر. لما خلصت، وقف قدامها وقال جملة خلت الدم يتجمد في عروقها:
— “المكتب اللي اتعاملتي معاه مش مجرد مكتب تبني.. المكتب ده كان غطاء لشبكة بتديرها عيلة السيوفي، والسيوفي دول هما اللي باعولي ولادك وهما اللي زوروا شهادات الوفاة عشان يخلصوا منك ومنهم، لأنك كنتِ “شاهدة” مش عايزنها تعيش.”
منى وقفت فجأة، الغضب في عيونها بقى أقوى من أي وجع:
— “السيوفي؟ يعني ولادي اتسرقوا عشان عيلة غنية قررت إن حياتي مش مهمة؟”
ريان قرب منها وهمس:
— “السيوفي دلوقت في القاهرة، مفكرين إنهم انتصروا. أنا ريان الكاستيلو، مفيش حد بيسرق مني حاجة، ولا حد بيخدعني. إنتي عايزة ولادك؟”
— “أنا عايزة أرجعهم، وأريهم مين هي الأم اللي حاولوا يكسروها.”
— “خلاص، من اللحظة دي إنتي مش جرسونة في مطعم رخيص. إنتي “مربية” ولادي.. وهندخل بيت السيوفي من الباب، ولما ندخل، مش هنخرج غير وولادك في حضنك، وفلوسهم وتاريخهم الأسود في إيدنا.”
منى بصت لولادها، مسحت دموعهم بصباعها، وبصت لريان نظرة تحدي: “أنا موافقة. بس شرطي.. أنا اللي هاخد حق ولادي منهم، مش إنت.”
ريان ابتسم ابتسامة باهتة: “تعجبيني. البسي، ورانا مشوار.”
ريان طلع موبايله وطلب رقم، وقال ببرود: “جهزوا الموكب. إحنا رايحين قصر السيوفي.. ومعانا الأم الحقيقية.”
القصر كان كأنه حصن، حراس في كل زاوية، وأضواء كشافات بتمسح المكان. ريان كان بيتحرك بهدوء أسد داخل عرين، وأنا كنت وراه، شايلة البنت والولدين ماسكين في طرف فستاني اللي ريان اشتراهولي قبل ما نوصل عشان أبان “مربية” تليق بقصر السيوفي.
أول ما دخلنا القاعة الكبيرة، “عزت السيوفي” كان قاعد في صدر القاعة، ماسك كاسه وبيلف في كرسيه ببطء. لما شاف ريان، ابتسم بصفارة استهزاء:
— “ريان الكاستيلو! نورت القصر.. بس مش غريبة إنك جايب معاك “مربية” وأطفال؟”
ريان قرب منه، وحط إيده على كتفي وقال بصوت جهوري:
— “لا يا عزت، دي مش مجرد مربية. دي “الحقيقة” اللي كنتوا فاكرين إنكم دفنتوها في مستشفى الفجر.”
وش عزت اتغير في ثانية، الكاس وقع من إيده اتكسر على الأرض. البنت الصغيرة استخبت ورا ضهري، والولدين قربوا مني أكتر.
عزت حاول يتمالك أعصابه: “إنت بتهرف بإيه؟ إنت اتجننت؟”
في اللحظة دي، أنا طلعت من ورا ريان، وقفت في نص القاعة، وبصيت في عينين عزت اللي بدأت ترتعش. قلت بصوت هز القاعة كلها:
— “بتسألني مين أنا؟ أنا اللي جيت تولد أطفالها، وقالوا لها إنهم ماتوا.. أنا الست اللي دمرتوا حياتها عشان شوية فلوس ونفوذ!”
عزت قام وقف، وصرخ في الحراس: “اخرجوا الأشكال دي بره! فوراً!”
بس ريان كان أسرع، طلع ملف تقيل من تحت جاكت بدلته ورماه على الترابيزة قدام عزت:
— “ده مش بس إثبات هوية الولاد.. ده اعترافات الممرضات اللي سرقوا الأطفال، وفيديوهات كاميرات المراقبة من المستشفى اللي كانت ممسوحة، بس “فني” خاص عندي قدر يرجعها.”
عزت بصل للملف وهو بيتهته، مش عارف ينطق. في اللحظة دي، دخلت “الشرطة” من كل مداخل القصر! ريان كان مجهز كل حاجة، كان مخلي الإنتربول يحيط بالقصر من قبل ما نوصل.
الولاد شافوا عزت وبدأوا يصرخوا، استخبت ورايا، كأنهم فاكرين الألم اللي عاشوه معاه. سحبتهم في حضني، وحسيت بقوة بتدب في جسمي.. قوة أم أخيراً استردت أغلى ما تملك.
عزت اتمسك، وهو بيصرخ بوعيد، بس صوته كان بيضيع وسط صوت “الكلبشات”. ريان قرب مني وقال:
— “أنا كملت اللي عليا يا منى.. الولاد ولادك، والحق رجع لأصحابه.”
بصيت لولادي.. الـ 3 توائم اللي كانوا مفكرين إنهم يتامى، بقوا دلوقتي في حضني، وأول مرة في حياتهم، ضحكوا وهما بيبصوا في عيني.
بعد ما الشرطة أخدت عزت السيوفي وكل أعوانه، القصر اللي كان بيشع شر وسلطة بقى هادي بشكل غريب. ريان وقف عند باب القصر، بيبص لمنى وهي قاعدة في جنينة القصر مع التلاتة توائم، الولاد لأول مرة من سنين شكلهم حقيقي ومبسوط، بيضحكوا معاها وبيحكوا لها بلغتهم الطفولية عن كل حاجة شافوها في القصر.
ريان قرب منهم بخطوات تقيلة، وقف ورا منى وقال بصوت واطي:
— «الحق رجع، والسيوفي بقوا ورا القضبان.. إيه خطوتك الجاية يا منى؟»
منى رفعت عينيها لريان، كانت عيونها فيها لمعة نصر ممزوجة بامتنان كبير، وقالت:
— «خطوتي الجاية إني أعيش لولادي، أعوضهم عن كل يوم فات. والفلوس اللي سابها السيوفي.. هأسس بيها مؤسسة لرعاية الأطفال اللي بيتعرضوا لنفس اللي ولادي اتعرضوا له.»
ريان ابتسم ابتسامة حقيقية، المرة دي خلت ملامحه القاسية تسيح:
— «مؤسسة؟ فكرة كويسة.. بس محتاجة حد يحميها من الناس اللي زي السيوفي.»
منى بصتله بفضول: «قصدك إيه؟»
ريان طلع ظرف من جيبه وادهولها: «ده تنازل رسمي مني عن كل أسهمي في شركات السيوفي اللي وقعت تحت إيدي، نقلتها باسمك وباسم الولاد. مش بس عشان أصلح غلطة، بس عشان أضمن إنك تكوني “سلطة” محدش يقدر يلمسها تاني.»
منى اتفاجئت، حاولت ترفض بس ريان قاطعها بحزم: «ده مش هدية، ده تأمين لمستقبلهم.. وأنا؟ أنا قررت أبعد عن عالم المافيا ده شوية، الـ 14 شهر اللي فاتوا كانوا درس قاسي، وعرفت إني فقدت روحي في الصراعات دي، لحد ما شفتك إنتي والولاد في المطعم.»
سكت لحظة وكمل: «أنا مسافر، هبعد فترة، بس مش عايزك تنسي إن في أي وقت، لو احتاجتي “ريان الكاستيلو” بجد، هتلاقيني.. مش عشان صفقة، بس عشان إنتي الشخص الوحيد اللي خلاني أحس إني لسه إنسان.»
منى حست بغصة في حلقها، ريان كان بطل حكايتها من غير ما تتوقع. قبل ما يمشي، الولد الصغير جرى ناحيته ومسك طرف بنطلونه وبص له ببراءة. ريان وطى وشاله، وباسه من جبينه، في مشهد خلا منى تدمع.
مرت السنين..
منى بقت سيدة أعمال قوية، والمؤسسة اللي أسستها بقت أمل لأطفال كتير. الولاد كبروا وهما عارفين إن ماما هي بطلة قصتهم الحقيقية.
وفي يوم، وهي قاعدة في مكتبها في قلب القاهرة، وصلتها باقة ورد كبيرة من غير كارت، بس مكتوب عليها جملة واحدة: «أنا لسه موجود.. لسه بسمع صوتك في قلبي.»
منى ابتسمت، بصت من شباك مكتبها لزحمة القاهرة، وهي عارفة إن الحكاية خلصت، بس بدأت حكاية تانية خالص.. حكاية منى اللي لا انكسرت ولا استسلمت.
تمت

