اول مقابله

البنت اللي كانت شغالة على اللابتوب وقفت كتابة.
والجرسون وقف بالنص وهو شايل الصينية.
— إنتِ إزاي تتجرئي!
صرخت مدام سامية، وصوتها اتكسر من الغضب.
ووووو
يتبع
الجزء الثاني
صرخت مدام سامية، وصوتها بدأ يتهز من الغضب.
حسام اتنفض مكانه، كأن صرخة سامية هانم خبطته فعلاً.
وفي عينيه لمحت حاجة شبه العجز… نفس النظرة اللي بتكون عند الناس اللي عايشين طول عمرهم تحت ظل حد تاني.
بصيتله… وبعدها بصيت لسامية هانم مرة تانية.
وفجأة فهمت حاجة مهمة:
أنا ماكنتش متعاطفة معاها. أنا بس… بدأت أزهق.
نفس الكلام، ونفس التحكم، ونفس الإحساس إنها مركز الكون والباقي مجرد كومبارس حواليها. واضح إنها بقالها سنين — يمكن عمر كامل — بتعيد نفس الدور.
رديت بهدوء:
— ومن حقي أتكلم كده. عارفة ليه؟ لأن لو بنتكلم عن جواز وحياة كاملة، يبقى لازم أفهم مش بس شخصية ابن حضرتك… لا، كمان أفهم إيه اللي حضرتك شايفاه طبيعي في العلاقات. التحكم مثلاً… فرض الرأي… التدخل في حياة ناس كبار كأنهم أطفال.
سامية هانم قامت مرة واحدة. الكرسي اتحرك بصوت عالي خلى الناس كلها تتلفت. حتى حسام حاول يهديها.
— ماما… لو سمحتِ…
— إنت اسكت يا حسام!
زقت إيده بعصبية.
— البنت دي إزاي تتكلم معايا بالطريقة دي؟!
وبصتلي بنفس النظرة اللي فيها يقين كامل إنها عمرها ما بتغلط.
— إنتِ مش فاهمة إنتِ بتكلمي مين. ده ابني! ده حياتي كلها!
ابتسمت بهدوء وقلت:
— وكل اللي حواليه بقوا مجرد خوفك إنتِ.
فتحت بقها ترد… بس قبل ما تتكلم، حصل لأول مرة طول القعدة دي شيء ماكنتش متوقعاه.
بقلم منــال عـلـي
حسام رفع راسه. وصوته، رغم إنه كان هادي وضعيف، لكنه كان ثابت:
— ماما… كفاية.
الصمت نزل على الترابيزة تقيل جداً. سامية هانم اتجمدت مكانها، كأنها مش مستوعبة إن الجملة دي خرجت من ابنها.
حسام بلع ريقه وكمل:
— أنا مش طفل. أنا عندي خمسة وتلاتين سنة. ومش محتاج حد يعيشلي حياتي.
بصراحة… اتفاجئت. مش عشان شجاعته، قد ما اتفاجئت إنه يمكن لأول مرة في عمره سمع نفسه بجد.
سامية هانم قعدت ببطء. وعينيها بقى فيهم نظرة غريبة… كأن ماكينة قديمة شغالة بقالها سنين بدأت تبوظ فجأة.
— لو فاكر إني هسيبها تدمر حياتك…
قالتها بصوت مهزوز، لكن الكلام مات قبل ما يكمل.
— ماما…
كررها حسام المرة دي بهدوء أكتر حصري على صفحه روايات واقتباسات
— دي حياتي أنا.
وبس. من غير خناقات ضخمة، ولا مشاهد تمثيل. بس لحظة مؤلمة جداً من الحقيقة.
سامية هانم ماقالتش بعدها ولا كلمة. وشفتها وهي بترجع تلبس القناع بتاعها تاني… القناع المتقن اللي متعودة تستخبى وراه من سنين. فردت ضهرها، وضمت شفايفها بخط مستقيم، وقالت ببرود:
— تشرفت بمعرفتك يا آنسة نادية.
قامت بالراحة، خدت شنطتها، ومشيت. والمكان كله — حتى الجرسونات — كانوا بيتابعوها وهي خارجة بين الترابيزات… كأن بخروجها عصر كامل من السيطرة والدوشة انتهى.
أول ما الباب اتقفل وراها، حسام طلع نفسه مرة… واتنين… وبعدين ضحك.
ضحكة خفيفة، صادقة، ومهزوزة شوية… كأن أول مرة يدخل نفسه هوا من غير ما حد يشاركه فيه.
بصلي وقال:
— أنا مش فاهم إيه اللي حصل دلوقتي… بس شكراً.
ابتسمت.
— دي كانت البداية بس.
وبعدها سكتنا فترة طويلة. بس السكوت المرة دي ماكنش محرج. كان نضيف… هادي… زي صفحة جديدة لسه محدش كتب فيها حاجة.
بعد نص ساعة تقريباً، الجرسون قرب مننا بإحراج خفيف وقال:
— معلش يا جماعة… إنتوا لحد دلوقتي ماطلبتوش حاجة 😅
بصينا لبعض… وانفجرنا ضحك.
الليلة دي ماحسيتش إني انتصرت، ولا إني كسرت حد. بس حسيت براحة غريبة… كأن العالم خف منه صوت عالي مالوش لازمة. وكأن أخيراً… بقى من حق كل واحد يتكلم بصوته الحقيقي.
وماكنتش أعرف إذا كان اللي بيني وبين حسام هيكمل ولا لأ.
ولأول مرة في حياتي…
يتبع…
الجزء الثالث والاخير

