اول مقابله

خرجت من الكافيه بعد نص الليل بشوية.
المطر كان خف، والهوا ساقع، والشارع لامع من انعكاس النور على الإسفلت المبلول.
مشيت ناحية عربيتي بهدوء، ولسه صوت ضحكتنا الأخيرة بيرن في ودني.
كنت متوقعة إن اللي حصل يفضل مجرد موقف غريب وينتهي.
سهرة عبثية… وهتتحط في درج الذكريات اللي بنضحك عليها بعدين. بقلم منــال عـلـي
لكن أول ما فتحت باب العربية، سمعت صوت خطوات ورايا.
— نادية… استني.
لفّيت. كان حسام. واقف تحت نور عامود الشارع، من غير جاكته، وشعره بايظ من الهوا، وباين عليه إنه مش عارف يقول إيه. بقلم منــال عـلـي
اتنهد وقال بإحراج:
— أنا عارف إن شكلي النهارده كان “أنا عارف إن شكلي كان يكسف جدًا” أو “أنا عارف إني كنت مثير للشفقة النهارده” أو “أنا عارف إني كنت ضعيف بطريقة صعبة” جداً.
ضحكت غصب عني.
— حلو إنك عارف.
هو كمان ضحك، بس بسرعة بقت الضحكة باهتة.
— أنا فعلاً آسف. والله ما كنت أعرف إن ماما هتعمل كده. هي قالتلي إنها بس عايزة تشوف المكان بالصدفة… وأنا صدقتها.
سندت ضهري على العربية وبصيتله شوية قبل ما أقول:
— إنت طول عمرك بتصدقها؟
السؤال نزل عليه تقيل. بص للأرض ثواني، وبعدها قال بهدوء:
— أيوه.
الصراحة ساعات بتبقى موجعة أكتر من الكدب. قرب خطوة صغيرة وقال:
— يمكن عشان أسهل. لما حد يقرر عنك… بتحس إنك مش مضطر تخاف من اختياراتك.
سكت شوية، وبعدين ضحك بسخرية من نفسه حصري على صفحه روايات واقتباسات
— تخيلي إني عندي خمسة وتلاتين سنة ولسه أول مرة أحس إني بتكلم بصوتي.
بصيتله طويل. كان في حاجة مختلفة فعلاً. مش قوة… لسه. بس بداية وعي. وده أندر بكتير.
فتحت العربية، وحطيت الشنطة جوه، وقلت:
— بص يا حسام… اللي حصل النهارده مش بطولة رومانسية. إنت عندك مشكلة حقيقية. ولو مافضلتش واقف قدامها، هترجع لنفس النقطة بعد أسبوع.
هز راسه ببطء.
— عارف.
— لا… مش عارف. لو كنت عارف، كنت اتحركت من زمان.
الجملة وجعته. شفت ده في عينيه. بس ماحاولش يدافع عن نفسه. وده خلاني أهدى شوية.
سألني فجأة:
— هو إنتِ عمرك خفتي؟
ابتسمت بخفة.
— طول الوقت.
— طب وإزاي بقيتي كده؟
بصيت للشارع قدامي. العربيات قليلة، والدنيا هادية بطريقة نادرة في القاهرة. وقلت:
— لما بتتوجع كفاية… الخوف بيتعب قبلك.
فضل ساكت، كأنه بيحفظ الجملة. وبعدين قال:
— ممكن أشوفك تاني؟
كان السؤال بسيط… وصادق بشكل غريب. ولأول مرة من بداية الليلة، حسيت إنه مش بيقول كلام عشان يُبهِر حد. ولا عشان ياخد موافقة أمه. ولا حتى عشان يبان راجل. كان بيسأل فعلاً.
فكرت ثانيتين، وبعدها قلت:
— ممكن.
وشه اتفتح بابتسامة صغيرة حقيقية.
— طب… ينفع أخد رقمك؟
— لأ.
اتصدم. ضحكت وأنا بركب العربية.
— لو عرفت توصلي لوحدك… من غير مامتك… يبقى تستاهل الرقم فعلاً 😌
قفلت الباب قبل ما يرد، وسقته وسبته واقف في الشارع يبصلي وهو بين الصدمة والضحك.
عدّى أسبوع. مافيش رسائل. مافيش طلبات متابعة. مافيش أرقام غريبة.
والحقيقة؟ كنت متوقعة ده. رجالة كتير بيتكلموا عن التغيير لحظة الحماس… وبعدها يرجعوا لنفس القفص أول ما يخافوا. فنسيت الموضوع تقريباً.
لحد يوم الخميس. كنت في المكتب غرقانة شغل، وبراجع تصميم مشروع جديد في الشيخ زايد، لما السكرتيرة خبطت الباب.
— أستاذة نادية… في حد تحت مُصر يقابلك.
رفعت عيني من اللابتوب بتعب.
— مين؟
ابتسمت بخبث.
— واحد شكله متوتر جداً… وشايل كيكة 😅
ماقدرتش أمنع ضحكتي. نزلت. ولقيته واقف فعلاً في الريسبشن، ماسك علبة تارت صغيرة بطريقة مضحكة كأنها قنبلة ممكن تنفجر.
أول ما شافني وقف بسرعة.
— قبل ما تقولي حاجة… أنا دورت عليكي بنفسي.
— يا سلام؟
— أقسم بالله. سألت عن اسم شركتك من الكافيه، وبعدها فضلت ألف لحد ما وصلت.
رفعت حاجبي بإعجاب خفيف.
— مجهود محترم.
ابتسم بتوتر ومدلي العلبة.
— دي محاولة رشوة.
بصيت للعلبة.
— نوعها إيه؟
— تشيز كيك فراولة.
— هممم… واضح إنك بدأت تفهمني بسرعة.
ضحك. ولأول مرة، ضحكته ماكانتش مهزوزة.
طلعنا قعدنا في كافيه صغير جنب المكتب. المرة دي لوحدنا. لا سامية هانم. لا توتر خانق. لا حد بيتحكم في الكلام.
وفي نص القعدة سألته:
— ها… أخبار البيت إيه؟
اتنهد.
— ماما مابتكلمنيش غير في الضروري.
— متضايق؟
فكر شوية.
— أيوه… بس مرتاح.
الكلمتين كانوا متناقضين… وصادقين جداً. قلب فنجان القهوة بين إيده وقال:
— أنا أخدت شقة إيجار.
بصيتله بسرعة. ابتسم بتوتر كأنه مستني الحكم.
— صغيرة أوي… وفيها عفش يعر، بس أول مرة أحس إن عندي مكان خاص بيا.
ماقولتش حاجة كام ثانية. وبعدين ابتسمت.
— أهو ده أول قرار راجل كبير.
ضحك وقال:
— متتخيليش كمية الخناقات اللي حصلت.
— متخيلة.
سكت لحظة، وبعدها بصلي بجدية مفاجئة.
— نادية… إنتِ ماخوفتيش مني؟ يعني… من فكرة إني أطلع نسخة من كل اللي شفتيه؟
السؤال كان أعمق مما يبدو. جاوبت بهدوء:
— كل الناس عندها احتمالات وحشة. بس الفرق الحقيقي… مين فيهم عنده استعداد يواجه نفسه.
فضل باصصلي، وساكت. واللحظة دي كان فيها هدوء غريب… حميمي بطريقة بسيطة جداً. مفيهاش بهرجة أفلام. ولا كلام حب كبير.
بس راجل بيتعلم يقف لوحده… وست بطلت تنقذ الناس من سنين، لكنها لأول مرة مش حاسة إنها لازم تهرب.
وفجأة حسام قال:
— على فكرة… ماما قالت عنك إنك أخطر ست قابلتها في حياتها.
ضحكت بصوت عالي.
— ودي إهانة ولا مجاملة؟
ابتسم وهو بيبصلي.
— أعتقد… لأول مرة في حياتها كانت خايفة تخسر السيطرة.
رفعت كباية القهوة ناحيته.
— يبقى نخب الحرية بقى.
رفع فنجانه هو كمان، وخبطه بخفة في فنجاني.
وبره… كانت القاهرة زحمة كعادتها. لكن جوا الكافيه الصغير ده… كان في بداية حاجة هادية جداً.
حاجة لسه مالهاش اسم…
لكنها أخيراً بقت ملكنا إحنا وبس 🫶🏼
تمت

