روايه كامله 3

زوجتي لم تستطع ارضاع ابننا بعد ولاده فصرخت فيها معتقدا انها سبب حتي رجعت يوما مبكرا واكتشفت السر

كان ابني يصرخ من الجوع…

صرخة صغيرة، لكنها كانت كفيلة بأن تهزّ جدران البيت، وتكسر ما تبقى داخلي من صبر.

وقفت يومها أمام زوجتي، مرهقًا، محطم الأعصاب، أجرّ خلفي تعب العمل والديون والسهر، ثم قلت لها بقسوة ما زلت أحتقر نفسي بسببها حتى اليوم:

ــ «أي نوع من الأمهات أنتِ؟ كيف تعجزين حتى عن إرضاع طفلك؟»

الآن، كلما تذكرت تلك الكلمات، أشعر وكأنني لم أكن رجلًا… بل سكينًا مزّقت قلب امرأة كانت تنزف بصمت.

كنت أتمنى لو يعود بي الزمن إلى تلك اللحظة، فأبتلع غضبي، وأضمها بدلًا من أن أحطمها.

لكن الإنسان أحيانًا لا يرى الحقيقة إلا بعد أن يؤذي أكثر الناس احتياجًا إليه.

⸻

كانت زوجتي «أنانيا» قد وضعت طفلنا منذ خمسة عشر يومًا فقط.

خمسة عشر يومًا…

ومع ذلك، بدا وكأن الحياة تُسحب منها ببطء أمام عيني.

قبل الولادة، كانت ممتلئة بالحياة؛ ضحكتها تملأ البيت دفئًا، وعيناها تشعّان فرحًا.

أما بعد الولادة، فقد أصبحت شاحبة، هزيلة، تتحرك كأن التعب يسكن عظامها، ويداها باردتان دائمًا كأن الدم توقف عن الجريان فيهما.

كنت أستيقظ أحيانًا في منتصف الليل فأراها جالسة على حافة السرير، تحمل طفلنا الباكي بين ذراعيها، بينما تنهمر دموعها بصمت موجع.

كانت تهمس لي بصوت مرتجف:

ــ «أحاول يا روهان… والله أحاول… لكن الحليب لا ينزل.»

لكن بدل أن أحتوي خوفها، كنت أزيده قسوة.

ــ «كلي جيدًا… ارتاحي… أي امرأة تستطيع إرضاع طفلها إذا اهتمت بنفسها.»

لم أكن أدرك وقتها أن الجهل قد يكون أكثر قسوة من الشر نفسه.

⸻

كانت أمي «شانتا» تعيش معنا بعد الولادة.

امرأة صارمة، حادة الطباع، تؤمن أن القسوة تربية، وأن التحمل فضيلة لا تُناقش.

كانت تقول دائمًا:

ــ «نحن ربّينا أبناءنا بلا كل هذا الدلال.»

وكنت أصدقها.

كل شهر أعطيها المال وأقول:

ــ «اشترِي لأنانيا كل ما تحتاجه… لحم، فاكهة، حليب، أي شيء مفيد لها.»

فتجيب بثقة:

ــ «زوجتك تعيش كالأميرات.»

وأنا… كنت أصدق.

لأنها أمي.

ولأن بعض الأبناء يظنون أن الأم لا تخطئ أبدًا، حتى وهم يشاهدون بيوتهم تنهار أمامهم.

⸻

مرت الأيام…

وأصبح بكاء طفلنا «آراف» لا ينقطع طوال الليل.

كانت أنانيا تحاول إرضاعه، لكنه يبكي أكثر، فتنهار معه في صمت.

أما أمي، فكانت ترفض شراء الحليب الصناعي رفضًا قاطعًا.

ــ «مجرد دلع فارغ… لو حاولت أكثر سينزل الحليب.»

ومع الوقت، بدأت أردد كلمات أمي نفسها، دون أن أشعر أنني أتحول إلى نسخة أخرى من قسوتها.

ــ «استمعي إلى أمي… هي تفهم أكثر منك.»

وفي إحدى الليالي، بعدما سحقني الإرهاق، فقدت أعصابي تمامًا.

صرخت بها:

ــ «ألا تشعرين بالخجل؟ ابنك يجوع بسببك!»

رفعت رأسها نحوي ببطء.

كانت دموعها تنزل فوق وجه طفلنا الصغير، بينما قالت بصوت مكسور:

ــ «أنا أحاول…»

لكنني تركتها.

وتركت معها قلبها المكسور أيضًا.

⸻

ثم جاء اليوم الذي كشف الحقيقة كلها.

انتهى العمل مبكرًا بسبب عطل كهربائي، فعُدت إلى البيت قبل موعدي المعتاد.

وفي الطريق اشتريت حليبًا صناعيًا، وبعض الفاكهة والفيتامينات، وكنت أشعر للمرة الأولى منذ أسابيع أنني أحاول أن أكون زوجًا جيدًا.

كم يبدو الإنسان ساذجًا حين يكتشف متأخرًا أنه كان جزءًا من الكارثة.

دخلت البيت…

فاستقبلني صمت ثقيل.

ناديت، لكن لا أحد أجاب.

ثم دخلت المطبخ…

وهناك رأيتها.

كانت أنانيا تجلس في زاوية بعيدة، تنحني فوق طبق تخفيه بجسدها، وتأكل بسرعة مرتبكة، كأنها تُرتكب جريمة.

وحين رأتني، ارتعبت فورًا، وأخفت الطبق خلفها.

اقتربت منها وانتزعته من يدها.

وفي اللحظة التي وصلت فيها الرائحة إلى أنفي، شعرت بشيء داخلي ينهار.

أرز بائت.

بقايا شوربة متعفنة.

دهون متجمدة.

عظام سمك.

وقطع لحم رمادية اللون.

طعام لا يُقدَّم حتى لحيوان جائع.

تجمدت في مكاني، وخرج صوتي بالكاد:

ــ «ما هذا؟»

وفجأة انفجرت بالبكاء.

ثم قالت جملة لن تغادر ذاكرتي ما حييت:

ــ «أرجوك… لا تخبر والدتك.»

في تلك اللحظة فقط…

فهمت.

زوجتي، أم طفلي، كانت تختبئ لتأكل بقايا طعام فاسد خوفًا من أمي.

نظرت إليها بصدمة:

ــ «هل كنتِ تأكلين هذا طوال تلك الفترة؟»

خفضت عينيها وقالت بصوت منكسر:

ــ «ليس كل يوم…»

وكانت تلك الإجابة أكثر ألمًا من الحقيقة نفسها.

لأنها لم تقل «لا».

قالت:

«ليس كل يوم.»

⸻

اكتشفت بعدها كل شيء.

أمي كانت تشتري الطعام بالمال الذي أعطيه لها… ثم ترسله إلى أخي وزوجته الحامل.

أما زوجتي؟

فكانت تأكل ما يتبقى.

حينها فقط أدركت حجم الجريمة التي كنا نرتكبها بحقها.

كيف لجسد يتضور جوعًا أن يُنتج الحليب لطفل رضيع؟

كيف لامرأة بالكاد تستطيع الوقوف أن تعتني بمولود؟

وفي تلك اللحظة، دخلت أمي البيت وهي تضحك.

وحين رأت الطعام على الأرض، صاحت بغضب:

ــ «ما هذه الفوضى؟! هل بدأت زوجتك تكسر الأطباق أيضًا؟»

نظرت إليها…

ولأول مرة في حياتي، لم أرَ فيها أمي.

رأيت امرأة كانت تجوّع زوجتي بدم بارد.

صرخت فيها:

ــ «أنتِ كنتِ تطعمينها هذا؟!»

فقالت ببرود قاتل:

ــ «في زمننا، النساء كنّ يعشن على أقل من ذلك.»

قلت وأنا أرتجف غضبًا:

ــ «أنا أعطيك المال لتطعميها جيدًا!»

فردّت دون أي ذرة ندم:

ــ «وأنا أصرف على البيت كله… زوجة أخيك حامل واحتياجاتها أهم.»

«أهم.»

كلمة واحدة…

لكنها كانت كفيلة بقتل آخر ذرة احترام بقيت داخلي.

يعني أن زوجتي وطفلي أقل قيمة؟

⸻

دخلت الغرفة، وضعت ملابس أنانيا وطفلي في حقيبة، بينما كانت أمي تصرخ خلفي:

ــ «ستتركني من أجل امرأة؟!»

التفتُّ إليها وقلت:

ــ «بل سأتركك لأنني تعبت من كوني ابنًا أعمى يدافع عن الخطأ.»

وغادرت.

⸻

ذهبنا مباشرة إلى المستشفى.

بعد الفحوصات، نظر الطبيب إليّ بصدمة وقال:

ــ «ماذا كانت تأكل هذه السيدة؟»

خفضت رأسي خجلًا:

ــ «بقايا طعام… بالكاد تحصل على بروتين.»

ساد الصمت للحظة، ثم قال الطبيب بحدة:

ــ «المرأة بعد الولادة تحتاج إلى غذاء وراحة ودعم نفسي… لا إلى التجويع والإهانة.»

أما طفلنا، فقد كان ناقص الوزن، وجسده يعاني الجفاف من شدة الجوع.

وحين شرب الحليب الصناعي لأول مرة…

رأيت ملامحه تهدأ.

وكأن الألم انسحب أخيرًا من جسده الصغير.

أما أنانيا، فكانت تبكي وتقول:

ــ «آسفة… لم أستطع إرضاعه.»

أمسكت يدها وقلت:

ــ «لا تعتذري أبدًا… أنتِ فعلتِ كل ما بوسعك. أنا من فشل.»

⸻

بعد أيام، استأجرت شقة صغيرة بعيدًا عن أمي.

اشتريت طعامًا حقيقيًا لأول مرة:

خضروات، فاكهة، حليب، لحم، فيتامينات.

وحين صنعت لأنانيا أول طبق شوربة بيدي، نظرت إليه وكأنه شيء لا يصدق.

وقالت:

ــ «هذا كثير…»

فابتسمت بحزن:

ــ «لا… هذا هو الحد الأدنى الذي تستحقينه.»

ومع الأيام…

بدأ اللون يعود إلى وجهها.

وعادت ضحكتها شيئًا فشيئًا.

وأصبح طفلنا أقوى.

أما أمي، فاستمرت ترسل الرسائل:

«زوجتك فرّقت بيننا.»

«كنت أحاول التوفير.»

«أنت ابن عاق.»

لكنني فهمت الحقيقة أخيرًا.

هي لم تكن نادمة.

كانت فقط غاضبة لأنها فقدت السيطرة.

⸻

وبعد شهر، جاءت لتعتذر.

فنظرت إليها أنانيا بهدوء وسألت:

ــ «تعتذرين عن ماذا تحديدًا؟»

وصمتت أمي.

ولأول مرة…

لم أسرع لإنقاذها.

وظلت صامتة حتى اضطرت للاعتراف:

ــ «آسفة لأنني كنت أطعمك بقايا الطعام… وآخذ حقك لأعطيه لابني الآخر… وجعلتك تشعرين أنك لا تستحقين الرعاية.»

لم يكن هناك عناق.

ولا نهاية مثالية.

لكن كانت هناك حقيقة.

وأحيانًا…

تكون الحقيقة أول طريق النجاة.

⸻

اليوم، بعد ثمانية أشهر…

أصبح طفلي بصحة جيدة.

وعادت الحياة تدريجيًا إلى زوجتي.

أما أنا…

فتعلمت درسًا لن أنساه أبدًا:

الجوع لا يكون دائمًا صوت معدة فارغة.

أحيانًا يكون صرخة طفل طوال الليل.

أو دموع امرأة تعتذر عن ذنب لم ترتكبه.

أو طبقًا مخبأً في زاوية مطبخ.

كنت أظن أن المشكلة أن زوجتي لا تملك الحليب لإرضاع طفلها.

لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة بكثير.

فالسم الحقيقي…

لم يكن في جسدها.

بل كان في قسوة أمي…

وفي صمتي أنا.

إن بقيت هذه القصة معك—إن لامست شيئًا بداخلك —فضلاً إضغط ب 👍، وشاركه مع من يحتاجه،. شكرًا لوجودك هنا

فضلاً

✨ لايك على المنشور

✨ تعليق حتى لو ❤️

✨ مشاركة إذا شايفين المحتوى يستحق

دعمكم يفرق معي جدًا ويشجعني أكمل 🫶

شكرًا لكل من يدعمني دائمًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *