مهرجان في حفله
بنتي “ملك” ماتت في حادثة توجع القلب قبل حفلة تخرجها من الجامعة بثلاث شهور بس.
من يوم ما وعيت على الدنيا وهي بتتكلم عن يوم التخرج ده كأنه يوم مقدس بالنسبة لها. كانت مجهزة كل حاجة.. الفستان الأبيض الشيك، الجزمة اللي قعدت تلف عليها أسابيع، وحتى الكلمة الصغيرة اللي كانت ناوية تقولها وتصورها فيديو بعد ما تستلم الشهادة.
بعد ما دفناها وودعناها، شيلت كل حاجتها دي وداريتها عن عيني. كنت بقول لنفسي خلاص، مفيش أي سبب يخليني أروح الحفلة دي وركني في الدنيا مابقاش موجود.
بس يوم الحفلة الصبح، وأنا قاعدة في أوضتها المظلمة، لقيت ورقة مطبقة ومتشالة بعناية
#حكايات_شروق_خالد
جوه علبة مجوهراتها الصغيرة. فتحتها وأنا إيدي بترتعش وقريت خطها:
“يا ماما، لو حصل لي أي حاجة ومقدرتش أحضر، اوعديني إنك هتروحي مكاني. أرجوكي يا أمي م تضيعيش اليوم ده ومتحرميش نفسك من فرحتي.”
عشان خاطر وصيتها، أخدت بعضي وروحت.
قعدت لوحدي فوق في المدرجات، كنت حاضنة الروب وقبعة التخرج بتاعتها في حجري، وبحاول بكل ما فيا من طاقة إني متأثرش ولا أنهار قدام الناس، وسط الهيصة والزغاريط والضحك اللي مالي المكان من كل ناحية.
وفجأة.. لفت نظري حاجة غريبة جداً.. مش طبيعية بالمرة.
كل زمايل ملك في الدفعة كانوا لابسسين حاجة غريبة مع روب التخرج الأسود بتاعهم. مكنتش شرايط تفوق، ولا ورد.. كانوا لابسسين مناخير مهرج حمراء وبتنور!
مش بس كده، في بنات ولاد كانوا لابسسين بواريك ملونة فوق قبعات التخرج، والبعض كان لابس بدلة مهرج كاملة تحت الروب. المنظر كان عجيب، الأوائل على الدفعة، الرياضيين، الشباب والبنات.. كلهم اتحولوا لمهرجين!
المدرجات كلها بدأت توش وتهمس، حتى عميد الكلية والدكاترة واقفين مذهولين ومش فاهمين في إيه.
الدفعة كلها وقفت طابور على المسرح عشان يستلموا الشهادات، وفجأة طلع واحد من زمايلها القريبين منها، مسك الميكروفون، وبص في المدرجات عليا أنا بالظبط، وقال بصوت هز القاعة كلها:
“طنط.. والدة ملك.. احنا واقفين هنا بالمنظر ده لأن ملك هي اللي طلبت مننا نكون كده.”
في اللحظة دي، الدموع غمت عيني ومبقتش قادرة أشوف اللي قدامي من كتر البكاء، والزميل كمل كلامه وقال:
#حكايات_شروق_خالد
“ملك قبل الحادثة بأسبوع كانت بتهزر معانا وبتقول إنها خايفة يوم التخرج كلنا نعيط من الفرحة أو الفراق، وقالت لنا: ‘لو أنا مجيتش لأي سبب، اقلبوا الحفلة سيرك، والبسوا مهرجين عشان أمي لما تيجي تقعد مكاني تضحك وتعرف إني سايبة ورايا إخوة بيحبوها ومفيش حاجة في الدنيا تستاهل دموعها’. ملك مكانتش عارفة إنها بتودعنا.. واحنا انهارده بنفذ وصيتها عشان نرسل لها ضحكة للسما، وعشان نقول لك يا طنط إنك مش لوحدك، وكلنا ولادك.”
المسرح كله قيد صقيف وزغاريط، والشباب كلهم قلعوا القبعات ورموها في الهواء وهم بيضحكوا ودموعهم نازلة على مناخير المهرجين الحمراء. في اللحظة دي، عيطت زي المكتومة بقالها سنين، بس مكنش بكاء وجع بس، كان بكاء فخر بالبنت اللي ربيتها وسابت وراها الأثر الطيب ده في قلوب كل الناس.
#حكايات_شروق_خالد
الدكاترة وعميد الكلية اللي كانوا واقفين مذهولين ومستغربين المنظر في الأول، ملقوش نفسهم غير وهم بيسقفوا مع الطلاب والدموع في عينيهم. القاعة اللي كان ماليها الهرج والمفاجأة، اتقلبت لملحمة حب حقيقية لروح “ملك”، والكل بقا بيعيط ويضحك في نفس الوقت من كتر التأثر.
وفجأة، لقيت زميلها اللي واقف على الميكروفون بيشاور عليا فوق في المدرجات وبيقول بصوت جهوري: “والآن، بنطلب من والدة البطلة ملك.. أمنا كلنا اللي شرفتنا النهارده، تتفضل وتطلع معانا على المسرح عشان تستلم شهادة تخرج ملك.. وتكريمها كأولى الدفعة فخرياً.”
رجلي مكانتش شايلاني، كنت حاسة إن خطوة واحدة وهقع من طول الطرقة، بس الورقة اللي كانت ملفوفة في إيدي ووصيتها الغالية كانت بتدفعني للقدام وبتديني قوة مش بتاعتي. نزلت من المدرجات وسط ممر شرفي عملوه زمايلها كلهم، وقفوا على الصفين بمناخير المهرجين الحمراء والبواريك الملونة، والدموع مغرقة وشوشهم وهم بيحيوني ويقولوا بصوت واحد هز القاعة: “عاش يا أم البطلة.. عاش يا أم ملك.”
طلعت على المسرح وأنا ضامة الروب والقبعة لصدري، وعميد الكلية تقدم مني وهو بينحني احتراماً، وسلمني شهادة التخرج الكبيرة ودرع الكلية المحفور عليه اسمها بالذهب. في اللحظة دي، زميلتها القريبة منها تقدمت ومعاها الميكروفون وقالت لي ونبرتها بترتعش: “طنط.. ملك سابت مع مخرج الحفلة حاجة في الأسبوع الأخير، وطلبت مننا كلنا إنها تتوصل لك وتتعرض في اللحظة دي بالذات.”
شاشة العرض الكبيرة والعملاقة اللي في ظهر المسرح نورت فجأة، وظهر وش “ملك” بضحكتها الصافية اللي بتنور الدنيا، وكانت لابسة الفستان الأبيض الشيك اللي جهزته للحفلة وقعدت تلف عليه أسابيع. الفيديو ده كانت مصوراه في أوضتها قبل الحادثة بأيام قليلة، وكأن قلبها كان حاسس باللي جاي.
قالت في الفيديو وهي بتضحك وتلوح بإيدها للكاميرا: “يا جماعة، لو الفيديو ده شغال دلوقتي، يبقى أنا أكيد في مكان أحسن بكتير بكتير، وماما قاعدة بتتفرج عليا وسطكم. يا أمي، أنا عارفة إن فراقي صعبة وأقوى من أي وجع، بس أنا عشت سعيدة ومبسوطة بيكي وبحبك ليا. شايفة زمايلي عاملين إيه؟ شايفة السيرك والمهرجين اللي واقفين وراكِ؟ أنا اخترت ليكي الفرحة مش الحزن يا أمي. ارفعي راسك فوق، أنا اتخرجت خلاص، وشهادتي بقت في إيدك، وروحي معاكِ في كل خطوة بتخطيه.”
الفيديو خلص، والقاعة كلها انفجرت بالبكاء والدعاء ليها بالرحمة، والصوت مالي المكان. أنا في اللحظة دي مبقتش حاسة بوجع الفراق المر اللي كان هيموتني، الرعب والكسرة والظلمة اللي كانوا في قلبي اتقلبلوا لفخر وعزة ونور. بصيت للشهادة في إيدي وبصيت للشباب والبنات اللي حواليا على المسرح، وحضنتهم واحد واحد وعيطت في وسطهم وكأنهم كلهم حتة من ملك ومن ريحتها.
رجعت البيت يومها بعد الحفلة، بس مروحتش على الأوضة الضلمة ولا قفلت على نفسي زي كل يوم. فتحت الشبابيك كلها ودخلت الشمس والهوا، وحطيت شهادة تخرج “ملك” ودرع التكريم وبجوارهم مناخير المهرج الحمراء اللي زمايلها أهلوها ليا في الحفلة، في نص الصالة عشان كل اللي يدخل يشوفهم. الحكاية المرة دي علمتني إن السيرة أطول من العمر، وإن أولادنا مش بيمشوا لما بيموتوا.. أولادنا بيعيشوا في قلوب كل الناس اللي سابوا فيهم بسمة وأثر طيب، ونمت ليلتها لأول مرة وأنا حاسة بروح ملك بتطبطب على كتفي وبتقول لي: “شكراً يا أمي إنك وفيتي بالوعد ورحتي مكاني.”
مهرجون في حفلة التخرج
حكايات شروق خالد

