سند في زحمه

المترو كان زحمة ومخنوق، وأمل خلاص حيلها اتهد من التعب والجوع، لدرجة إن عينيها زغللت وجسمها ساب تماماً وهي نازلة في محطة رمسيس. لولا إيد قوية لحقتها وشلتها قبل ما تقع على الأرض، كانت راحت فيها.
فتحت عينيها بتعب، لقت نفسها ساندة على بالطو أسود غالي، وصوت رجولي وقور بيهمس جنب ودنها:
* “امسكي نفسك.. أنا معاكي، متخافيش.”
الناس في المترو بدأت تبص بفضول، بس الراجل بربشة عين منه خلت الكل يدور وشه الناحية التانية. سحبها براحة وقعدها على الكرسي.
أمل وهي بتنهج وبتداري كم بالتوها:
* “أنا كويسة.. شكراً لحضرتك، أنا تمام.”
الراجل بصلها بنظرة كشفتها تماماً، وعينيه جت على الكارنيه المتعلق في رقبتها:
* “أمل الشناوي.. ممرضة في مستشفى الدمرداش.. وكويسة إزاي وأنتي بتموتي من طولك؟”
فجأة، كم الجاكيت بتاعها اترفع غصب عنها، وظهرت خمس صوابع زرقا معلّمين على دراعها. الراجل جسمه كله اتخشب، وعينيه اسودت من الغضب:
* “مين اللي عمل فيكي كده؟”
أمل شدت كمها بسرعة ورعب:
* “مفيش.. اتخبطت في الباب وأنا خارجة من الشفت.”
الراجل رد بصوت واطي يرعب:
* “باب بخمس صوابع؟ بتستغفليني؟”
في ثانية، اتنين رجالة لابسين لبس عادي وسط زحمة المترو قربوا ووقفوا ورا الراجل زي الحراس المدربين. أمل خافت أكتر لما لقت شنطتها بتهتز.. رامي بيتصل.
الراجل بصلها وقال:
* “ردي عليه.”
أمل برعب:
* “مش هينفع.. لو رديت وهو سامع دوشة هيقلب الدنيا.”
التليفون فصل ورن تاني فوراً. أمل كانت عارفة إنها لو مردتش، رامي هيتهمها بالخيانة، وهيتبلى عليها، ولما تروح شقتهم في فيصل هيطلع عليها القديم والجديد. فتحت الخط وإيدها بترتعش.
رامي بزعيق وصوت جهوري:
* “أنتي فين يا هانم؟”
أمل بصوت متحشرج:
* “في المترو.. دخت شوية وتعبت.”
رامي:
* “تعبتي؟ أنتي متأخرة نص ساعة بحالها! اخلصي وارجعي البيت بدل ما أجي أجرّك وأديكي سبب بجد يخليكي تلبسي بكم طول السنة!”
الخط قطع. أمل كانت بتترعش والدموع في عينيها. الراجل اللي واقف قدامها كان سامع كل كلمة لأن صوت رامي كان عالي.
الراجل سألها ببرود قاتل:
* “اسمه إيه؟”
أمل بكسرة:
* “أرجوك.. أنت ميعرفش حاجة.. سيبني في حالي.”
الراجل مد إيده ليها وقال بنبرة مفيهاش فصال:
* “أنتي محتاجة تاكلي ومحتاجة دكتور يشوف دراعك ده.”
أمل:
* “أنا ممرضة ومش محتاجة حد.”
الراجل:
* “يبقى عارفة إن كلامي صح.. يلا بينا.”
أمل بصت لإيده وبصت للحراس:
* “أنت مين أصلاً؟”
واحد من الركاب اللي واقفين قمع الصوت تماماً ووطى راسه في الأرض لما سمع السؤال.
الراجل رد بثقة:
* “سليم السيوفي.”
الاسم نزل زي الصاعقة على المحطة كلها. الست العجوزة اللي قاعدة جنبها وشها جاب ألوان، والراجل اللي كان ماسك الجرنان قفله بالراحة من الخوف.
بعد دقايق، أمل لقت نفسها قاعدة في الكنبة الورانية لعربية مرسيدس سودا فخمة، وواحد من حراس سليم بيديها عصير وبسكوت، وبيتصل بدكتور خصوصي. مالحقتش تاخد بق عصير، وتليفونها نور برسالة.
رامي: “أنا عرفت أنك نزلتي في محطة غلط.. أنتي مع مين يا أمل؟”
وبعدها بثانية رسالة تانية: “قسماً بالله لو ما ظهرتي حالاً لاهربد الدنيا على دماغك.”
وش أمل بقى أبيض زي الورقة. سليم بصلها وقال:
* “مراقب تليفونك بالـ GPS.. صح؟”
قبل ما تنطق، باب العربية اتفتح فجأة برعب. رامي كان واقف برا في المطر، عينيه حمرا من الغل، وبمجرد ما شاف سليم قاعد جنبها، رسم ابتسامة صفرا خبيثة وقال بصوت ناعم قدام الحراس:
* “معلش يا باشا.. متأسف جداً على الإزعاج، مدام أمل خطيبتي بس بتعمل حركات وتتدلع لما بتجوع.. انزلي يا أمل.”
أمل اتجمدت في مكانها. رامي مد إيده جوة العربية ومسك دراعها المورم بظوافره وضغط عليه جامد:
* “قلتلك يلا بينا على البيت.. الحساب هناك.”
سليم بص على إيد رامي اللي ماسكة دراعها، وقال بنبرة هادية بس تخوف بلد:
* “شيل إيدك عنها.”
رامي ضحك باستخفاف:
* “وأنت مالك يا كابتن؟ دي خطيبتي وحاجتي، تتدخل بصفتك إيه؟”
سليم:
* “بقت تخصني من اللحظة اللي لمستها فيها وأنا واقف.”
الشارع كله هسس. رامي زود ضغطته على دراع أمل وهو فاكر إنها هتخاف وتسمع الكلام وتنزله زي كل مرة عشان تداري الفضيحة.
بس أمل المرة دي بصت لتليفونها. بقالها شهور بتسجل رامي وهو بيهددها وبيشتمها في الفويس نوتس وشايلاهم في فولدر سري، وعمرها ما جرؤت توريهم لحد خوفاً من إنه يتبلى عليها في المستشفى ويدمر شغلها.
سليم مأمرهاش بحاجة، بس بصلها بنظرة دعم خلتها تاخد القرار. أمل دامت بصباعها على كلمة “إرسال”، وبعتت الفولدر كله للرقم الآمن اللي حارس سليم سجلهولها من شوية.
تليفون رامي رن بإشعار وصول الملفات، والابتسامة اختفت من على وشه تماماً لما لقى التسجيلات بتتبعت لجهة تانية.
في نفس اللحظة، نزلت محامية سليم السيوفي من العربية التانية اللي كانت واقفة وراهم، ومعاها ملف مقفول. قربت من سليم وقالت وهي بتفتح الورق تحت نور عمود النور:
* “سليم بيه.. المحاضر والإثباتات جهزت. المحاسب ده اسمه رامي وجيه.. مش بس خطيب الآنسة، ده هو نفس الموظف اللي بنحقق معاه في الشركة بقالنا شهر بتهمة الاختلاس وسرقة حسابات العملاء.”
رامي ساب دراع أمل فجأة، وجسمه كله بدأ يترعش.
المحامية حطت كشف الحساب البنكي المزور على كبوت العربية. سليم بص للأرقام، وبعدين رفع عينيه الحادة وبص لرامي اللي وشه بقى زي الأموات وقال:
* “كنت فاكر نفسك ذكي وبتسرقني؟ وكمان بتمد إيدك على حاجتي؟”

حكايات شروق خالد

رامي رجله مابقتش شايلاه، وبص لسليم برعب وهو بيبلع ريقه بصعوبة:
* “سليم بيه.. أنا.. أنا مكنتش أعرف إنها تبع حضرتك! والله العظيم فيه سوء تفاهم.. الشغل ملوش دعوة بـ…”
سليم قاطعه بإشارة صغيرة من صباعه، وصوته كان أهدى من الهدوء نفسه، وده اللي كان مرعب:
* “أنت قسيت قلبك عليها وسرقت فلوسها، وقسيت قلبك على شركتي وخنت الأمانة.. وجاي لحد عندي وتطول لسانك؟”
رامي وهو بيرجع لورا وعينيه بتلف حوالين المكان بيدور على مخرج:
* “أنا هرد كل المبالغ.. كل قرش أخدته هيرجع، بس بلاش الشرطة.. أرجوك يا باشا.”
سليم بص للحراس وقال ببرود:
* “خلوه يستنى بوكس الشرطة هنا.. المطر هينظفه شوية.”
في ثانية، اتنين من الحراس كتموا حركة رامي وثبتوه ورا العربية، وهو مش قادر حتى يصرخ من الخوف. سليم لف وبص لأمل اللي كانت بتترعش بس عينيها فيها لمعة انتصار لأول مرة من شهور.
سليم قعد جنبها وقفل باب العربية:
* “خلاص.. الكابوس انتهى.”
أمل والدموع نازلة من عينيها:
* “أنا مش عارفة أقول لحضرتك إيه.. هو كان مهددني يرفدني من المستشفى ويقول إني بسرق أدوية.. كان هيدمر مستقبلي.”
سليم ابتسم ثقة:
* “مستشفى الدمرداش؟ رئيس مجلس الإدارة يبقى خالي.. ومن بكرة حسابك البنكي هيرجع فيه كل مليم أخدته الحشرة ده، وشغلك مفيش مخلوق يقدر يمسك فيه بكلمة.”
العربية بدأت تتحرك وسط شوارع القاهرة والمطر بيغسل هموم شهور عاشتها أمل في سجن رامي. بصت من الشباك على رامي وهو مكلبش في إيد الشرطة، وبصت لسليم السيوفي اللي غير حياتها في ليلة واحدة، وعرفت إن ربنا بعتلها السند اللي يرجعلها حقها.
العربية اتحركت في هدوء الليل، وأمل كانت حاسة إنها في حلم. بصت على دراعها اللي كان بيوجعها، وبصت لسليم اللي كان بيتابع تليفونه في صمت مهيب.
فجأة، سليم قفل التليفون وبصلها بنظرة هادية ومطمئنة:
* “انتي ساكنة فين يا أمل؟”
أمل صوتها طلع متقطع من الإحراج:
* “في فيصل.. بس.. الشقة إيجار باسم رامي، وهو معاه المفاتيح، والكمبيالات اللي مضاني عليها كلها هناك.”
سليم رفع حاجبه وابتسم بثقة:
* “الكمبيالات؟ دي دلوقتي بقت ورق كوتشينة ملوش أي لزمة. رامي مش هيشوف النور قبل عشر سنين على الأقل بين سرقة فلوس الشركة وبين المحاضر اللي هتتعمل له بكرة الصبح بتقرير طبي من دراعك ده.. أما بخصوص الشقة، فمن اللحظة دي انتي مش هتعتبي فيصل تاني.”
أمل اتخضت:
* “يعني إيه؟ أمال هروح فين؟ أنا ماليش حد هنا في القاهرة، أهلي كلهم في البلد في المنصورة، وأنا قاعدة هنا عشان الشغل.”
سليم شاور للسواق وقال بنبرة آمرة بس مريحة:
* “اطلع على فندق الماريوت في الزمالك.”
وبعدين لف وشاف علامات الخوف في عيون أمل، فقال بسرعة عشان يطمنها:
* “متخافيش، محجوز لك هناك جناح باسمك، هتقعدي فيه لحد ما نخلص إجراءات النقل. ومن بكرة الصبح، فيه عربية وسواق هيكونوا تحت أمرك يودوكي المستشفى ويرجعوكي.”
أمل دموعها نزلت تاني، بس المرة دي من الصدمة والفرحة:
* “سليم بيه.. أنا ممرضة غلبانة، والله العظيم كل ده كتير عليا، أنا مش عارفة هرد لحضرتك جميلك ده إزاي!”
سليم سكت ثواني، وبص في عينيها مباشرة وقال بصوت دافي:
* “انتي مش غلبانة.. انتي كنتي لوحدك، ودلوقتي مابقتيش لوحدك. والجميل ده انتي ردتيه لما وثقتي فيا وبعتي التسجيلات.. الباقي كله عليا.”
العربية وقفت قدام الفندق، والحراس فتحوا الباب. أمل نزلت وهي حاسة إن رجليها شايلاها لأول مرة، الهوا بارد والمطر خف، وكأن الدنيا كمان بتبتسم ليها بعد ما عاشت في ضلمة رامي وتهديداته. دخلت الفندق وهي عارفة إن من الليلة دي، حياتها القديمة ماتت، وبدأت حياة جديدة مفيهاش خوف.

حكايات شروق خالد

مرت ثلاثة أسابيع على الليلة دي، وحياة أمل اتبدلت 180 درجة.
في المستشفى، الوضع بقى مختلف تماماً؛ المدير بنفسه بقى يمر عليها ويطمن إنها مش محتاجة حاجة، والكل عرف إن وراها ضهر وسند مفيش مخلوق يقدر يقف قدامه. رامي اتقبض عليه، والنيابة واجهته بالتسجيلات وكشوف الحسابات المزوّرة، وبقى محبوس على ذمة القضية وجناية الاختلاس والابتزاز كفيلة تخليه يقضي شبابه كله ورا القضبان.
في يوم، أمل كانت خارجة من شفت العصر في المستشفى، لقت نفس العربية المرسيدس السودا واقفة مستنياها، والحارس فتح لها الباب بابتسامة:
* “اتفضلي يا آنسة أمل، سليم بيه منتظرك.”
أمل ركبت وهي حاسة إن الخوف اللي كان معشش في قلبها اختفى وحل محله أمان مكنتش تحلم بيه. العربية مشيت لحد ما وقفت قدام برج سياحي فاخر يطل على النيل مباشرة في الزمالك.
الحارس أخدها وطلعوا الدور الأخير، الباب اتفتح ولقت سليم واقف لابس قميص أبيض وباصص للنيل من الشباك الإزاز الكبير. أول ما شافها، ابتسم وهز رأسه:
* “حمد الله على السلامة يا دكتورة. دراعك عامل إيه دلوقتي؟”
أمل ردت بامتنان وخجل:
* “الله يسلمك يا سليم بيه.. مابقاش فيه أثر خلاص، كأنه كان كابوس وصحيت منه.”
سليم قرب منها، وطلع من جيبه مفتاح فضي أنيق، وحطه في إيدها:
* “دي مفاتيح شقتك الجديدة.. في نفس البرج هنا، الدور اللي تحتيا عليا طول. الشقة دي باسمك، وكل حاجتك اللي كانت في فيصل المحامية جابتها، والكمبيالات القديمة اتقطعت واترست في الزبالة.”
أمل برقت عينيها وبصت للمفتاح برعب:
* “شقة؟ وباسمك؟ لأ يا سليم بيه.. كفاية الفندق، وكفاية إنك رجعت لي حقي وفلوسي اللي رامي سرقها.. أنا مش ممكن أقبل بكل ده، ده كتير جداً عليا!”
سليم حط إيده في جيبه وبص لها بنظرة حادة بس مليانة حنية:
* “أنا مابرجعش في كلمة قلتها.. قلت لك مابقتيش لوحدك. وبعدين الشقة دي مش ببلاش.. دي إيجار قصاد خدمة هتقدميها ليا.”
أمل استغربت ورفعت حاجبها:
* “خدمة؟ خدمة إيه؟”
سليم ضحك بصوت رجولي واطي، وقرب منها خطوة:
* “أنا والدتي صحتها على قدها، ومحتاجة ممرضة بتفهم وبنت حلال تاخد بالها منها وتراعيها في البيت.. وأنا مش هأتمن حد على أمي غيرك يا أمل. ها.. قلتي إيه؟”
أمل بصت للمفتاح في إيدها، وبصت لعينين سليم اللي كانت أول مرة تلمح فيهم مشاعر تانية غير القوة والجمود.. مشاعر إعجاب واحترام حقيقي. ابتسمت والدموع لمعت في عينيها وقالت:
* “أنا تحت أمرك يا سليم بيه.. طالما الخدمة دي لست الكل، يبقى رقبتي سدادة.”
سليم هز رأسه وقال وهو بيشاور على السفرة اللي كانت مليانة أكل من أفخم المطاعم:
* “تمام.. اتفضلي بقى كلي، عشان من اللحظة دي.. مفيش يوم هيفوت عليكي وأنتي جعانة أو خايفة طول ما أنا عايش.”

حكايات شروق خالد

“سند في زحمة رمسيس”.
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *