حماتي وبنتي

من غير صوت عالي، عشان يفهم ويتفهم. لما رجعنا البيت، انتظرت لحد ما البنت نامت، وقعدت جنبه، وقلت له بهدوء
يا أحمد، عايزة أتكلم معاك بجد، من غير ما نزعل من بعض. أنا بحب أمك، وبحترمها، ومش عايزة أكون سبب في أي خلاف بينكم. لكن اللي بيحصل مش طبيعي، ومش صح على بنتنا.
هو سكت، فكملت
أمك بتقول للبنت كلام يخوفها مني. بتقولها إنني مش بحبها، وإنني هتتركها. بتطلب منها ما تقوليش ليّ حاجة. ده مش حب يا أحمد. الحب ما بيخبيش، وما بيخوفش. ده تملّك، وعايزة تفرق بيني وبين بنتي.
هو تنهد، وقال بصوت تعبان
أمي عاشت وحيدة كتير. بابا ماټ وهي صغيرة، وشالت المسؤولية لوحدها. هي پتخاف تفقدنا، بس.
أفهم خۏفها. وأنا مستعدة أساعدها، وأقرب منها. لكن خۏفها مش لازم ييجي على حساب بنتنا، وعلى نفسيتها. البنت في سن حرج، والكلام اللي بيتقال ليها بيأثر عليها كتير. لو استمر الحال، هتكرهني، أو هتخاف من كل حاجة، ومش هيكون عندها ثقة في حد.
سكت لحظات، ثم قلت
لو سمحت، راقبها بنفسك. المرة الجاية اللي نروح عندها، خليك موجود، وشوف بنفسها بتتعامل معاها ازاي. متاخدش كلامي وكلامها بس، شوف الحقيقة بعينك.
هو هز راسه ببطء
حسناً. هشوف.
الجزء الثالث الحقيقة تظهر تدريجيًا
بعد أسبوع، رحنا عندها تاني. جوزي كان معانا من الأول. من دخلنا، حماتي بدأت كعادتهاحضڼ، هدايا، حلويات. لكن لما بنتي قالت عايزة أروح لماما، تغير وشها زي ما قالته ليّ قبل كده.
حاولت تغير الموضوع
لسه بدري، تعالي أوريكِ اللعبة الجديدة اللي جبتها ليكِ.
بنتي بصت لي وقالت
مش عايزة لعبة. عايزة أروح مع ماما.
حماتي ابتسمت بمشقة، وقالت
ماما تعبانة، خليكي هنا معايا، أحسن ليكي.
هنا جوزي تدخل، وقال بهدوء
مش تعبانة. لو عايزة تروح، تروح. ومش لازم نعمل من الموضوع مشكلة.
حماتي بصت له بدهشة، وكأنها مش متوقعة إنه يتكلم. ثم ضحكت بتصنع
أنا بس كنت بقلّبها عشان تطول شوية معايا. وحشاني.
وحشاني برضه، بس مش لازم نضغط عليها. هي حرة، وعايزة تروح مع مامتها. وده طبيعي.
من اليوم ده، لاحظت تغير بسيط في تصرفاتها. كانت تحاول تتحكم في نفسها قدام جوزي، لكن في اللحظات اللي كنت أكون فيها لوحدي معاها، كانت النظرات بتاعتها تختلفمليانة ڠضب وعدم رضا.
مرة، كنت عندها وهي بتجهز الأكل، وقالت لي بصوت منخفض
أنتِ مش عارفة تربّيها. البنت لازم تتعلم الطاعة، ومش كل ما طلبت حاجة نعملها لها.
رديت بهدوء
هي مش بتطلب حاجة غلط. هي بتطلب تيجي مع أمها. وده مش عيب. التربية مش معناها إننا نخليها تخاف تقول اللي في قلبها.
أنا ربّيت ولدى لوحدي، وما كانش يرد لي كلام. وأنتِ جاية تقولي لي كيف أربي؟
أنا مش بقول كده. بس الأزمنة اتغيرت، والتربية اتغيرت. واحنا لازم نعاملها باحترام، مش نخوفها ونخليها تحس إنها ملك لحد.
سكتت، لكن عيناها كانت بتشتعل. عرفت إن المعركة مش هتكون سهلة، وإن جذور المشكلة أعمق مما كنت أتوقع.
بدأت أتكلم مع جوزي في كل مرة نرجع، وأخبره بالتفاصيل اللي شفتها، وكنت دائمًا أبدأ كلامي بإنني أتفهم وضع أمه، وأحترم تعبها، لكن ده مش مبرر للي بيحصل. هو كان بدأ يصدقني شويه شويه، لأنه بنفسه لاحظ تغير في تصرفاتها قدامه.

