مراته الحامل

كانت راكبة عربية ملاكي سودة.

السواق كان حسام، راجل كان شغال زمان مع والدها في الأمن.

أحمد كان استغنى عنه من حوالي ست شهور.

لكن مريم واضح إنها رجعته يشتغل معاها من غير ما تقوله.

أحمد اتصل ببواب العمارة.

“العربية راحت فين؟”

الرجل رد بتردد:

“يا أستاذ أحمد، مدام مريم قالت من كام يوم إن محدش يقول لحضرتك على تحركاتها.”

أحمد سكت.

من كام يوم؟

يعني مريم كانت مخططة.

وكانت بتجمع الأدلة من بدري.

وقبل ما يلحق يفكر، موبايله رن.

الاسم اللي ظهر قدامه كان:

نهى.

رد فورًا.

“نهى… مريم فين؟”

جاله صوت نهى من الناحية التانية، وكان واضح إنها متوترة.

“مريم ما قالتلكش؟”

أحمد قبض على الصورة.

“قالتلي إيه؟”

سكتت نهى ثواني.

وبعدين قالت:

“أحمد… إنت لازم تيجي المستشفى حالًا.”

“ليه؟”

نهى أخذت نفسًا عميقًا.

“الصورة اللي مريم سابتهالك… مش هي أسوأ حاجة.”

أحمد حس بقلبه وقع.

“أمال إيه الأسوأ؟”

قالت نهى بصوت منخفض:

“أنا فتحت ملف بنت مريم.”

“وبعدين؟”

“لقيت إن بيانات بنتك اتسجلت على النظام… قبل ميعاد ولادتها بشهر كامل.”

أحمد ما ردش.

نهى كملت:

“وفيه شخص دخل على الملف من حساب إداري خاص بالمستشفى.”

“مين؟”

جاء صوت نهى مرتجفًا:

“اسم الحساب… حساب والدك.”

أحمد تجمد مكانه.

والده متوفي من خمس سنين.

والحساب الإداري بتاعه…

كان المفروض يتقفل من يوم وفاته.

لكن حد…

كان بيستخدمه لحد دلوقتي.

وفي اللحظة دي، أحمد فهم إن مريم ما كانتش بتهرب منه.

كانت بتحاول تحمي بنتهم
#انجي_الخطيب

أحمد ما فكرش ثانية واحدة. رمى مفاتيح شقته على الترابيزة ونزل يجري على السلم، طنش الأسانسير كأنه حاسس إن الوقت بيتسحب من تحت رجله. الشارع في مصر الجديدة كان ساقعة وهادي، أضواء العماير بتنور الضل بالراحة، وهو بيفتح باب عربيته ودماغه بتلف في دوامة مالهاش أول من آخر.
أبوه؟
الحاج متولي اللي مات من خمس سنين وعزاه حضره نصف رجال أعمال مصر؟ إزاي حسابه على سيستم مستشفى النيل يتفتح النهاردة؟ ومين اللي يدخل يسجل اسم مولودة لسه في بطن أمها قبل ميعاد ولادتها بشهر كامل؟
دور العربية وطلع بيها بأقصى سرعة، بيقطع الشوارع كأنه في سباق مع المجهول. كل ما يفتكر نظرة مريم الهادية قبل ما تمشي، قلبه يتعصر. ما كانتش غيرانة من نهى.. كانت مرعوبة. الحلق اللي لقاه في العربية.. المشاوير اللي كان بياخدها المستشفى بحجة الشغل.. السيستم الإلكتروني اللي بيتلعب فيه.. كل حاجة بدأت تتجمع في دماغه زي نقط دم بتشاور على مصيبة بتتطبخ في السكت.
وصل المستشفى بعد عشر دقائق. ركن العربية على الرصيف قدام الباب الرئيسي ودخل وهو مش شايف قدامه. الممرات كانت فاضية، وصوت خطواته الرابكة كان بيرن في سكون الدور الرابع.
وصل مكتب نهى، فتح الباب من غير ما يخبط.
نهى كانت قاعدة ورا مكتبها، وشها أصفر زي الليمونة، والشاشة قدامها بتطلع نور أزرق باهت عاكس على عينيها المتوترة. لما شافته، وقفت بسرعة وقفلت باب المكتب وراها بالمفتاح.
“أحمد.. وطي صوتك، الشفت الليل هنا مش آمن.”
أحمد قرب منها وهو بيلهث، وحط إيده على المكتب بضغط:
“فهميني يا نهى.. فهميني إيه اللي بيحصل؟ يعني إيه حساب أبويا؟ إزاي ده يحصل أصلاً؟”
نهى ردت بصوت واطي وهي بتفرك إيديها في بعضها من الخوف:
“أنا لما مريم جابتلي الصورة الصبح، افتكرتها بتتخيل أو من كثر التوتر بتتوهم حاجات.. دخلت بنفسي على السيرفر الرئيسي للرعاية المركزة لحديثي الولادة. الملف ده اتأنشئ من شهر، وفيه أمر طباعة لأساور تعريف طفلتين.. طفلة منهم مكتوب إنها بنت مريم وأحمد، والثانية.. الثانية بياناتها مقفولة بـ ‘كود أمني’.”
أحمد قطب حاجبيه وصوته بقى حاد ومكتوم:
“ومين اللي معاه الصلاحية إنه يستخدم حساب أبويا المتوفي؟”
نهى بصت في الأرض وسكتت ثواني، وبعدين رفعت عينها المليانة خوف:
“أبوك الله يرحمه ما كانش بس شريك في المستشفى يا أحمد.. أبوك كان عاطي صلاحيات إدارة كاملة لعمك طاهر.. وعمك طاهر هو الوحيد اللي فضل يحتفظ بالباسوردات القديمة من يوم الوفاة.”
الكلمة نزلت على أحمد زي الصدمة.
عمي طاهر؟
الراجل اللي كان بيمثل الحنية كلها من يوم وفاة أبوه؟ الراجل اللي مسك القضايا القانونية والشؤون الماليّة للشركات؟
وفجأة، موبايل أحمد رن.
كانت رنة رسالة.. صوت نغمة قصيرة قطعت السكوت.
فتح الموبايل بإيد بتترعش. كانت الرسالة من رقم غريب، وفيها موقع جغرافي وصورة.
فتح الصورة.. كانت مريم قاعدة داخل بيت قديم، وحسام حارس الأمن واقف بيمسك حراسة برة الباب. مريم كانت ماسكة دفتر أزرق قديم في إيدها، وكاتبة تحت الصورة مسج قصيرة:
“لو عايز تفهم ليه عمك عايز ياخد بنتك ويلغي وجودها من الدفاتر عشان يورث حصتك في الشركة.. تعالى المقطم فوراً.. بس لوحدك، لأن عمك مش هيتردد يدمر أي حد يقف في طريقه.”
أحمد بص لـ نهى وهو حاسس إن الأرض بتهتز تحت رجله.
“مريم عارفة كل حاجة..”
نهى مسكت ذراعه بقوة:
“أحمد.. بلاش تروح لوحدك! عمك طاهر مش سهل.. الراجل ده بقاله شهور بيبيع في أصول الشركة من وراك، ولو مريم معاها الدفاتر دي.. يبقى هي كشفت سر الملايين اللي اختفت، والسر ده ثمنه حياة بنتك اللي في بطنها!”
أحمد سحب دراعه بجمود، وعينيه أتحولت لشعلة غضب وحسم:
“أنا سيبتها لوحدها كتير يا نهى.. وكنت فاكرها بتشك.. المرة دي، لو على رقبتي، مش هسيب حد يلمس شعرة منها ولا من بنتي.”
لف وضهره للمكتب وخرج يجري، سايب نهى وراه بتنادي عليه وصوتها بيضيع في طرقة المستشفى الطويلة والباردة.
#انجي_الخطيب
طريق المقطم بالليل كان عبارة عن ضباب وعتمة، والهوا البارد يدخل من شباك العربية النص مفتوح ليجرح وش أحمد، لكنه ما كانش حاسس بالبرد. كان ضاغط على دواسة البنزين بكل قوته، وإيديه قابضة على الطارة لدرجة إن عروقها كانت بارزة وبتترعش. أفكاره بتتخبط وبتتطاحن في دماغه.. إزاي كان أعمى كل الفترة دي؟ إزاي ساب مراته تشيل الوجع والخوف ده لوحدها؟ إزاي اقتنع إن شكها وتوترها مجرد هرمونات حمل، بينما هي كانت بتخوض حرب حقيقية عشان تحمي بنتها قبل ما تخرج للدنيا؟
وصل المنطقة المهجورة في المقطم، الشارع كان مقطوع، الأضواء فيه قليلة وصوت الكلاب الضالة بيرن في الفضا. ركن العربية بعيد في الضلمة ونزل بسرعة. من بين الضل، خرج حسام، لابس الجاكيت القماش القديم بتاعه ومستني. أول ما شاف أحمد، هوز راسه بجمود وأشار له ييجي وراه بسرعة.
“أستاذ أحمد.. المدام جوة، بس لازم تاخد بالك.. فيه عربية ملاكي فامية كانت ماشية وراك من أول ما طلعت من المستشفى.”
أحمد اتجمد مكانه بصدمة: “مين اللي كان ورايا؟”
حسام بص للشارع المظلم بتركيز وقال بصوت واطي: “غالباً رجالة طاهر بيه.. عمك عينيه في كل مكان يا أستاذ أحمد، والمدام لما لجأتلي من أسبوع، قالتلي إن عمك كان مراقب تحركاتها بالملي.”
أحمد ما استناش، مشي بخطوات سريعة ودخل من باب البيت الخشبي القديم اللي كان بيطلع صوت زيق واطي. جوة الصالة، تحت ضوء لمبة حمرا دافية، كانت مريم قاعدة على كرسي، حاطة إيدها على بطنها الكبيرة، والدفتر الأزرق القديم مفتوح على ركبتها.
أول ما شافها، قلبه اتخلع من مكانه. قدم خطوة سريعة وقعد على ركبه قدامها على الأرض، مسك إيديها الساقعة اللي كانت بتترعش.
“مريم..”
مريم رفعت عينها فيه. عينين مجهدة، تحتها هالات سودة من قلة النوم والخوف، بس كان فيها ثبات يرعب.
“جيت يا أحمد؟”
“أنا أسف.. والله العظيم أنا أسف.. أنا كنت غبي، ما فهمتش شي، ما صدقتكيش..”
مريم ابتسمت ابتسامة مكسورة، ودمعة دافية نزلت على خدها: “مش مهم تطلع غبي.. المهم إنك جيت قبل ما الميعاد يفوت.. وقبل ما هما يوصلوا.”
أحمد بص للدفتر اللي في إيدها وسألها بصوت مبشوح: “فهميني يا مريم.. فهميني الدفتر ده فيه إيه؟ وعمي طاهر ماله ومال بنتنا؟ وليه حسابه على سيستم المستشفى مفتوح باسم أبويا؟”
مريم فتحت الصفحة الأخيرة في الدفتر، وراوتله أوراق قديمة بخط إيد والده المرحوم، وقالت بنبرة حادة ومجروحة: “عمك مش بس كان بياخد من أرباح الشركات يا أحمد.. عمك كان كاتب بند ملحق في عقد الشراكة القديم مع أبوك من عشر سنين.. بند بيقول إن أصول الشركات والمستشفى بتؤول بالكامل ليه ولابنه لو إنت ما خلفش ‘وريث شرعي مسجل رسمياً’ قبل ما يكتمل سن المعاش القانوني للشركة.. وده الميعاد اللي فاضل عليه شهر واحد بس.”
أحمد بص لها بذهول وعدم استيعاب: “بس أنا خلفة بنتي جاية في السكة! يعني فيه وريث!”
مريم مسكت صورة الحضانات وقالت وهي بتهز راسها بألم: “وده السبب اللي خلاه يدخل على السيستم بحساب أبوك الله يرحمه.. هو كان بيجهز ملف طبي موازي لبنتنا، كأنها طفلة اتولدت بدري أو اتولدت ميتة واستبدلت بطفلة ثانية! كان بيجهز الأوراق والشهادات الرسمية على السيستم الإلكتروني للمستشفى عشان لما أولد، البنت تتسجل إنها غير مؤهلة قانوناً أو متوفية، ويضيع حقك وحقها في الوراثة والأصول بالكامل.. والكل يقول ‘دي أخطاء طبية’ وتلبسها نهى!”
أحمد حس كأن حد ضربه بسكين في صدره. الشكوك اللي كانت عنده، والمشاوير اللي كان بيعملها للمستشفى كانت عشان حاسس إن فيه حاجة غلط في الحسابات، لكنه عمره ما تخيل إن الشر يوصل للدرجة دي.. إنه يمس طفلة لسه ما اتولدتش.
وفجأة.. صوت كسر إزاز قوي برة البيت قطع سكوت الليل.
دخل حسام يجري، وشه أصفر وملامحه مرعوبة: “أستاذ أحمد! فيه عربيتين سدوا الشارع برة.. وطاهر بيه نزل بنفسه ومعه رجالة مسلحين!”
أحمد وقف بسرعة، وشد مريم وراه كأنه بيعمل بجسمه ساتر يحميها: “اطلعي من الباب الخلفي يا مريم مع حسام.. فوراً!”
مريم وقفت بالعافية، مسكت إيد أحمد بقوة وضغطت عليها، وبصت في عينيه بثبات مشهود: “أنا مش هجري تاني يا أحمد.. ولا هسيبك لوحدك.. المرة دي هنواجه سوا.”
قبل ما أحمد يرد، اتفتح باب البيت الخشبي بقوة، وظهر على العتبة ظل طاهر بيه، ببدلته الأنيقة وعصايته الأبنوس المعتادة، وابتسامته الباردة شاقة وشه في الضلمة وهو بيبصلهم بثبات.
“منورين يا ولادي.. أهو كده الشمل اتجمع.. ومريم وفرت عليا تدور في الشوارع.”
#انجي_الخطيب
طاهر بيه دخل الشقة القديمة بخطوات بطيئة ورزينة، وصوت عصايته الأبنوس وهي بتخبط على البلاط كان بيرن في المكان زي دقات ساعة شؤم. وراه راجلين ضخام، إيديهم تحت الجواكت ومستعدين لأي حركة.
“طاهر بيه…” أحمد نطق اسمه ونبرة صوته مرعوبة ومذهولة من حجم الغدر.
طاهر ابتسم ابتسامة باهتة، وبص لأحمد بعيون باردة زي الجليد: “أنا زعلان منك يا أحمد.. زعلان إنك سمحت لمراتك تلعب بيك وتجيبك لحد هنا، وتخليك تشك في الراجل اللي كان لك أب بعد وفاة والدك.”
أحمد خطى خطوة لقدام، وقف بجسمه كله ساتر قدام مريم، وعينيه بتطق شرار: “أب؟ أب يزور ورق بنت أخوه في المستشفى عشان يسرق شقا عمره؟ أب يستغل اسم أخوه الميت عشان يلغي وجود طفلة لسه ما اتولدتش؟ إنت إيه؟ إبليس؟”
طاهر كشر عن أنيابه، ونبرة الهدوء المزيّفة اختفت فجأة: “أنا ما بضيعش شقا عمري في إيد عيل مش عارف قيمة الملايين! أبوك الله يرحمه كان طيب ودلوقتي الشركة كبرت، وما ينفعش الشغل ده كله يروح للغريب لمجرد إن مراتك جابت بنت!”
مريم اتكلمت بصوت هادي وهز المكان، وهي ماسكة الموبايل في إيدها بثبات: “البنت دي هي اللي هتكشفك يا طاهر بيه.. والملفات اللي في الدفتر ده مش هي النسخة الوحيدة.”
طاهر بص للموبايل في إيد مريم، وملامحه بدأت تتغير وتتشنج.
“قصدك إيه؟”
مريم ابتسمت ابتسامة كبرياء، رغم وجع بطنها اللي بدأ يزيد من التوتر والنفس العالي: “أول ما العربيات بتاعتك وصلت الشارع، حسام صور كل حاجة، والدفتر ده كله اتبعت بصور عالية الدقة للنيابة العامة وللشرطة، والموبايل ده دلوقتي شغال مكالمة مسجلة مع محامي العيلة ورئيس مجلس إدارة المستشفى اللي سمعوا كل كلمة قولتها بعضمة لسانك.”
طاهر اتجنن، وصرخ في رجالته: “هاتوا الموبايل ده منها فوراً!”
قبل ما حد يتحرك، أحمد هجم على عمّه بكل قوته، مسكه من رقبة بدلته وزقه لورا بعنف. حسام اتدخل وشتبك مع واحد من الرجالة المسلحين. المكان اتقلب لكراكيب وصوت خبط وضرب مكتوم.
وفي وسط المطبخة دي.. صوت سارينات عربيات الشرطة ضرب في الشارع تحت، الأضواء الحمرا والزرقا بدأت تنور الشبابيك المكسورة بتاعة البيت القديم وتلف على الحيطان.
الرجالة المسلحين اترعبوا لما سمعوا السارينات بتقدم، رموا السلاح وجريوا ناحية الباب الخلفي، وطاهر بيه بقى على الأرض، أحمد ضاغط عليه ورابط حركته وعينيه مليانة دموع غضب وقرف.
“انتهت يا طاهر… انتهت يا عمي.”
الشرطة اقتحمت المكان في ثواني، الضباط أمنوا الشقة وحرزوا الأوراق والسلاح، وقبضوا على طاهر بيه اللي كان بينهج ومش مصدق إن كل اللي خطط له في أشهر انهار في دقائق.
أحمد قام من الأرض وساب عمّه للشرطة، وجري على مريم.
مريم كانت قاعدة على الكرسي، ماسكة بطنها وبتبكي بوجع حقيقي، ووشها أصفر زي اللبن.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *