السم في العصير
كنت واقفة فوق السلم في بيت العيلة، لما حماتي أم كريم مسكت دراعي جامد وقالت بصوت واطي مليان كره:
“ابعدي بقى من حياتنا… إنتي عمرك ما كنتي مرغوب فيكي في البيت ده.”
حاولت أفلت إيدي، لكنها زقتني بكل قوتها من ضهري.
في لحظة، جسمي اتخبط في أول درجة، وبعدها اتدحرجت على السلم كله. دماغي خبطت في الدرابزين الخشب، ورجلي اتلوّت تحتي بطريقة خلتني أصرخ من الوجع.
آخر حاجة فاكرها إني كنت بصرخ.
بعد ثواني، كريم نزل يجري وهو ماسك موبايله.
بصلي… وبص لأمه… وقال ببرود:
“إيه اللي حصل؟”
حماتي عدلت طرحتها بمنتهى الهدوء وقالت:
“وقعت لوحدها… شكلها اتزحلقت.”
بصيت لكريم وأنا بطلع نفسي بالعافية وقلت:
“هي… هي اللي زقتني…”
لكن بدل ما يغضب منها، بصلي بعصبية وقال:
“مش كل مرة تعملي مشكلة وتتهمي أمي.”
الكلمة دي كانت أقسى من الوجع.
فضّل واقف مكانه، وما طلبش الإسعاف غير لما بدأت أفقد الوعي.
…
صحيت في المستشفى.
الدكتور قال إن عندي كسر في الكاحل، وضلعين مكسورين، وارتجاج شديد في المخ، وكمان نزيف داخلي اضطرهم يدخلوني عمليات فورًا.
كريم قعد شوية مضى على أوراق الدخول، وقال للممرضات:
“عندي شغل ضروري… هرجع بعدين.”
ومشى.
بعدها عرفت الحقيقة.
الشغل الضروري كان شقة مفروشة… مع زميلته في الشركة ريهام.
…
تاني يوم، حماتي دخلت أوضة المستشفى شايلة بوكيه ورد.
ابتسمت قدام الممرضات.
أول ما خرجوا، قربت مني وهمست:
“لو الشرطة سألتك… تقولي إنك وقعتي لوحدك. ولو فتحتي بقك بكلمة، كريم هيطلقك ومش هتاخدي مليم.”
بصيت في وشها.
لأول مرة…
ما خفتش.
ولا زعلت.
حسيت إن كل حاجة جوايا ماتت.
تمن سنين وأنا مستحملة إهاناتها.
وتمن سنين كريم واقف في صف أمه مهما عملت.
كنت فاكرة إن الصبر هيصلح جوازنا.
لكن وأنا نايمة على سرير المستشفى، فهمت إن صبري هو اللي خلاهم يتمادوا ويكسروني كل مرة أكتر.
في نفس اليوم، كلمت المحامي.
مضيت على ورق الطلاق إلكتروني، وكلمت أختي وقلت لها:
“حطي الورق على مخدة كريم… وسيبيه يعرف إن كل حاجة انتهت.”
بعدها خرجت من المستشفى على مسؤوليتي، وروحت مركز تأهيل خاص بعيد عن أي حد، وسجلت باسمي قبل الجواز.
اختفيت تمامًا.
…
بعد كام ساعة، كريم فضل يتصل.
مرة…
واتنين…
وعشرة…
لكن ولا مرة رديت.
وفي نفس الليلة، كان قاعد يضحك مع ريهام وهو بيقول:
“سيبيها تعمل اللي تعمله… دي بتحب تلفت الانتباه.”
وفجأة…
خبط شديد على باب الشقة.
فتح الباب، فلقى دكتور المستشفى واقف، ومعاه اتنين من رجال المباحث.
وش كريم اصفر.
قال باستغراب:
“في إيه؟”
الدكتور دخل بهدوء، وحط ظرف مقفول على الترابيزة وقال:
“إحنا جايين بخصوص مراتك.”
كريم اتوتر وقال:
“مالها؟”
الدكتور رد بنبرة هادية:
“أثناء العملية اكتشفنا حاجة أخطر بكتير من وقعتها على السلم.”
كريم بلع ريقه.
“إيه هي؟”
الدكتور بص له مباشرة وقال:
“التحاليل أثبتت إن في حد كان بيدس لها مادة سامة بجرعات صغيرة في دواها كل يوم… من شهور.”
ساد صمت مرعب.
الدكتور كمل:
“والأدلة الأولية بتقول إن في شخص قريب منها كان عارف اللي بيحصل… ويمكن مشارك فيه.”
في اللحظة دي…
الابتسامة اختفت من وش كريم.
أما هو، فكان لسه فاكر إن الطلاق هو أكبر مصيبة هتقابله…
وماكانش يعرف إن الكابوس الحقيقي لسه بدأ.
#حكايات_شروق_خالد
كريم حس إن الأرض بتميد بيه.
بص للدكتور، وبعدها لرجال المباحث، وحاول يضحك ضحكة باهتة.
“أكيد في غلط… إنتوا تقصدوا مين؟”
الدكتور فتح الظرف، وطلع نسخة من تقرير المعمل.
قال بهدوء:
“السم كان بيتراكم في جسمها ببطء، وده سبب إنها كانت دايمًا تعبانة، عندها دوخة، وترجيع، وضعف مستمر. هي نفسها كانت فاكرة إن ده بسبب الضغط النفسي.”
ضابط المباحث قال وهو بيطلع نوتة صغيرة:
“إحنا محتاجين نعرف مين كان مسؤول عن أدويتها وأكلها.”
كريم اتردد ثواني، وبعدين قال:
“أمي… هي اللي كانت بتجهزلها العلاج كل يوم. كانت بتقول إنها أدرى بمواعيد الدوا.”
رجال المباحث بصوا لبعض.
واحد منهم سأل:
“ومين كان بيشتري الدوا؟”
“أنا… كنت بجيبه من الصيدلية.”
في اللحظة دي، وش كريم شحب أكتر.
لأنه لأول مرة بدأ يفهم إن كل كلمة بيقولها بتلف الحبل حوالين رقبته.
—
في نفس الوقت…
أم كريم كانت قاعدة في بيتها تشرب قهوة، ومقتنعة إن كل حاجة انتهت.
رن جرس الباب.
فتحت وهي متضايقة.
اتفاجئت بأفراد المباحث واقفين قدامها.
قال الضابط:
“مدام أم كريم؟”
“أيوه.”
“معانا إذن بتفتيش المنزل.”
صرخت بعصبية:
“بتفتشوا بيتي ليه؟!”
لكن محدش رد.
بدأوا يفتشوا المطبخ، والأوض، والدولاب اللي كانت بتحتفظ فيه بالأدوية.
وفجأة…
أحد الأمناء طلع علبة صغيرة من آخر درج.
قال:
“يا فندم… لقينا دي.”
الدكتور الشرعي اللي كان مرافقهم فتحها بحذر.
وبعد ثواني قال:
“دي نفس المادة اللي ظهرت في التحاليل.”
أم كريم فقدت لونها.
حاولت تتكلم.
لكن صوتها اختفى.
—
في اليوم التالي…
النيابة استدعت كريم.
قعد قدام وكيل النيابة وهو متوتر.
السؤال الأول كان بسيط:
“مراتك قالت قبل ما تدخل العمليات إن حماتِها هي اللي زقتها من فوق السلم… ليه ما بلغتوش؟”
كريم نزل عينه.
“كنت… فاكر إنها بتتهيأ.”
“وليه سيبتها في المستشفى وروحت شقة زميلتك؟”
سكت.
“وليه خبيت علاقتك بريهام؟”
فضل ساكت.
كل إجابة كانت أسوأ من اللي قبلها.
—
أما أنا…
فكنت في مركز التأهيل.
أختي كانت قاعدة جنبي.
قالت وهي بتسلمني ظرف.
“المباحث كانوا بيدوروا عليكي. قالوا لازم يشوفوكي.”
فتحت الظرف.
كان فيه صورة.
صورة لعلبة الدوا اللي كنت باخده كل يوم.
وصورة تانية لتقرير المعمل.
وفي آخر الصفحة مكتوب:
“نرجو حضورك للإدلاء بأقوالك، فقد تحولت الق*ضية من حادث سقوط إلى شروع في قت*ل.”
إيدي كانت بترتعش.
وفجأة…
افتكرت حاجة كنت ناسيها.
من حوالي ست شهور…
كنت مرة دخلت المطبخ بالليل، وشوفت حماتي بتحط بودرة بيضا في كباية العصير.
أول ما شافتني، ارتبكت وقالت:
“ده فيتامين… الدكتور كاتبهولك.”
ولأني كنت بثق فيها وقتها…
شربته.
دموعي نزلت.
ماكنتش متخيلة إن كل يوم كنت بقرب من الموت، وأنا فاكرة إني مريضة.
—
بعد يومين…
وصل تقرير الطب الشرعي النهائي.
لكن التقرير كان فيه مفاجأة قلبت القض*ية كلها.
الدكتور الشرعي قال لوكيل النيابة:
“المادة السامة موجودة فعلًا… لكن تركيزها مش كفاية لوحده يسبب الوفاة.”
وكيل النيابة رفع حاجبه.
“تقصد إيه؟”
رد الدكتور:
“المتهم ماكانش بيحاول يق*تلها بسرعة… كان بيضعف جسمها تدريجيًا، بحيث أي حادث بسيط بعد كده يبقى كفيل بإنه ينهي حياتها، ويبان إنه قضاء وقدر.”
ساد صمت ثقيل.
لكن قبل ما أي حد يستوعب الكلام…
دخل أحد أفراد المباحث مسرعًا، وقال:
“يا فندم… في تسجيل جديد من كاميرا أحد الجيران وصل حالًا.”
وكيل النيابة شغّل الفيديو…
فظهر مدخل البيت بوضوح.
وظهر شخص لم يكن أحد يتوقع وجوده هناك قبل لحظات من سقوطي…
ولما اتوقفت الصورة على وشه…
حتى كريم شهق من الصدمة، وهمس:
“مستحيل…!”
حكايات شروق خالد
اتثبتت الصورة على الشاشة.
الصمت خيم على أوضة التحقيق.
كريم قرب من الشاشة وهو بيحدق بعنيه.
ولما الصورة اتوضحت أكتر…
اتفتح بقه من الصدمة.
“بابا…!”
كل الموجودين لفوا ناحيته.
وكيل النيابة قال باستغراب:
“والدك؟”
هز كريم راسه وهو مش قادر يستوعب.
“أيوه… ده أبويا.”
ظهر في الفيديو والد كريم داخل العمارة قبل الحادث بحوالي عشر دقايق.
كان لابس كاب ونضارة، كأنه مش عايز حد يعرفه.
وبعدها بدقائق…
ظهر وهو خارج بسرعة، وبيبص حواليه بخوف.
وكيل النيابة أمر فورًا:
“هاتوه حالًا.”
…
بعد ساعات…
دخل والد كريم غرفة التحقيق.
كان هادي بشكل غريب.
قعد على الكرسي وقال:
“أنا معملتش حاجة.”
وكيل النيابة شغل الفيديو قدامه.
سكت.
ولما الفيديو خلص…
قال:
“أيوه… كنت هناك.”
كريم بصله بذهول.
“كنت بتعمل إيه يا بابا؟!”
تنهد الرجل وقال:
“أمك اتصلت بيا وقالتلي تيجي.”
“ليه؟”
“قالتلي إنها اتخانقت مع مراتك، وخافت تكون وقعت وماتت.”
كل العيون اتجهت لأم كريم.
وشها بقى أصفر.
لكنها صرخت:
“بيكدب!”
وكيل النيابة قال بهدوء:
“كمّل.”
بلع والد كريم ريقه وقال:
“لما وصلت… لقيتها واقعة على الأرض وبتتنفس بالعافية.”
شهقت أنا وأنا بسمع الكلام.
“وأنت… عملت إيه؟”
نزل راسه.
“قولتلها نطلب إسعاف.”
“وهي؟”
“رفضت.”
“رفضت؟!”
“قالت نستنى شوية… ولو ماتت يبقى ارتحنا منها.”
الغرفة كلها اتجمدت.
حتى رجال المباحث اتصدموا.
كريم قام من مكانه وهو بيصرخ:
“إنت ساكت كل الشهور دي؟!”
دموع والده نزلت لأول مرة.
“كنت خايف… أمك هددتني.”
“بإيه؟”
“قالت لو اتكلمت هتقول إني أنا اللي زقيتها.”
…
في اللحظة دي…
دخل خبير الأدلة الجنائية ومعاه تقرير جديد.
قال:
“لقينا بصمات على علبة المادة السامة.”
وكيل النيابة سأله بسرعة:
“بصمات مين؟”
فتح التقرير.
وسكت ثواني.
ثم قال:
“في بصمات أم كريم…”
اتنهد الجميع.
“…لكن في بصمة تانية.”
رفع الجميع رؤوسهم.
“بصمة ريهام.”
كريم حس إن قلبه وقف.
“ريهام؟!”
وكيل النيابة أمر بإحضارها فورًا.
…
بعد ساعات قليلة…
دخلت ريهام وهي بتحاول تبان هادئة.
لكن أول ما شافت تقرير البصمات…
انهارت.
وقالت وهي بتعيط:
“أنا… أنا ماكنتش عايزة تموت.”
سألها وكيل النيابة:
“أمال كنتِ عايزة إيه؟”
قالت بصوت متقطع:
“أم كريم قالتلي إن المادة دي مجرد دوا هيخليها تنام كتير وتطلب الطلاق بنفسها… وأنا صدقتها.”
صرخ كريم:
“يعني كنتوا بتسمموها؟!”
ريهام دفنت وشها بين إيديها.
“ماكنتش أعرف إنه سم.”
…
لكن المفاجأة الأخيرة كانت مع تقرير المعمل.
المعمل أثبت إن المادة السامة كانت تُوضع في العصير والأدوية على فترات متقطعة، وإن آثارها ممتدة منذ أشهر، وهو ما دعم أقوال المجني عليها بشأن تدهور صحتها التدريجي.
أغلق وكيل النيابة الملف وقال بحزم:
“الق*ضية لم تعد مجرد شروع في ق*تل.”
نظر إلى المتهمين واحدًا واحدًا.
وأضاف:
“أصبحت قض*ية اشتراك في ج*ريمة مع سبق الإصرار، وسيتحدد دور كل متهم وفق الأدلة وأقوال الشهود.”
…
بعد شهور…
وقفت قدام المحكمة لأول مرة من غير كرسي متحرك.
المشي كان لسه صعب…
لكن كل خطوة كنت باخدها كانت إعلان إني رجعت للحياة.
بصيت ناحية كريم.
كان واقف مطأطئ راسه.
ولأول مرة…
أنا اللي بصيتله من غير خوف.
ومن غير دموع.
لأن أكتر حاجة كانت بتوجعني…
ماكانتش السقطة.
ولا السم.
لكن إني وثقت في ناس كانوا بيخططوا ينهوا حياتي، وأنا كنت فاكرة إنهم عيلتي.
حكايات شروق خالد
دخل الحاجب ونادى بصوت عالي:
“محكمة…”
وقف الكل.
دخلت هيئة المحكمة، والقاعة غرقانة في صمت ثقيل.
القاضي فتح الملف الضخم قدامه، وقال:
“تبدأ المحكمة بسماع الشاهد الأخير.”
كل العيون اتجهت ناحية الباب.
دخلت سيدة كبيرة في السن، شعرها أبيض، وماسكة عصاية.
أول ما أم كريم شافتها، شهقت.
“انتي؟!”
السيدة بصتلها باحتقار وقالت:
“أيوه… أنا.”
وكيل النيابة سألها:
“عرفي المحكمة بنفسك.”
قالت بثبات:
“اسمي فاطمة… كنت شغالة ممرضة خاصة عند والد زوج أم كريم من سنين.”
القاضي أشار لها تكمل.
قالت:
“أنا ساكتة بقالى أكتر من عشرين سنة… لكن اللي حصل للبنت دي خلاني مقدرش أسكت.”
بدأ الهمس ينتشر في القاعة.
أم كريم كانت بتترعش.
الممرضة قالت:
“أول مرة شفت المادة السامة دي ماكنتش مع المجني عليها… كانت من سنين طويلة.”
القاضي رفع رأسه.
“اشرحي.”
قالت:
“والد زوجها كان راجل غني، وصحته كانت كويسة.”
“وفجأة بدأ يتعب كل يوم.”
“دوخة… ترجيع… ضعف.”
“نفس الأعراض بالضبط.”
أنا حسيت جسمي كله قشعر.
الممرضة كملت:
“وقتها شكيت إن حد بيسممه ببطء.”
“لكن بعد وفاته… اختفت كل الأدلة.”
النيابة سألتها:
“مين كان مسؤول عن أكله ودواه؟”
ردت من غير تردد:
“أم كريم.”
ساد صمت مرعب.
القاضي بص لأم كريم.
“هل عندك رد؟”
صرخت بانفعال:
“كذابة… دي بتنتقم مني.”
لكن الممرضة طلعت ظرف قديم.
“احتفظت بده من يومها.”
فتحه وكيل النيابة.
كان فيه تحليل معمل قديم.
ونفس اسم المادة السامة المكتشفة في قض/ية المجني عليها.
خبير الطب الشرعي قارن التحليلين.
وبعد دقائق قال:
“المادتان متطابقتان.”
أم كريم بدأت تنهار.
إيديها كانت بترتعش.
وفجأة صرخت:
“أيوه… أنا كنت بكرهها.”
القاعة كلها اتجمدت.
لكنها كملت وهي بتبكي بهستيريا:
“ماكنتش عايزة تموت…”
“كنت عايزة تختفي من حياة ابني.”
وكيل النيابة قال بحدة:
“وزقيتيها من فوق السلم؟”
غطت وشها بإيديها.
وسكتت.
القاضي قال:
“جاوبي.”
رفعت رأسها ببطء.
وقالت بصوت بالكاد يُسمع:
“أيوه…”
كريم صرخ:
“ليه؟!”
بصتله وهي بتبكي.
وقالت:
“كنت فاكرة إنك هتعيش سعيد مع ريهام.”
كريم انهار على الكرسي.
حط إيده على وشه، وفضل يعيط لأول مرة قدام الجميع.
أما أنا…
فحسيت إن الحمل اللي فوق صدري من شهور بدأ يخف.
الحقيقة أخيرًا ظهرت.
لكن رغم كل الاعترافات…
كان لسه فيه سؤال واحد محير النيابة.
مين الشخص اللي اشترى المادة السامة لأول مرة؟
لأن سجلات الصيدلية أثبتت إن أم كريم لم تشترها بنفسها…
وكان اسم المشتري مفاجأة جديدة قد تقلب الق/ضية مرة أخرى.
حكايات شروق خالد
وكيل النيابة أمر بإحضار سجل الصيدلية بالكامل.
بعد دقائق، دخل أحد ضباط المباحث ومعاه ملف.
فتحه قدام القاضي وقال:
“قدرنا نوصل للفاتورة الأصلية.”
القاعة كلها كانت ساكتة.
القاضي تناول الورقة، وبدأ يقرأ.
ثم رفع عينه وقال:
“اسم المشتري… كريم.”
شهقت القاعة كلها.
أما كريم فوقف فجأة وهو بيصرخ:
“مستحيل! أنا عمري ما اشتريت سم!”
وكيل النيابة سأله بهدوء:
“دي بطاقتك الشخصية؟”
بص كريم للرقم المكتوب على الفاتورة.
اتجمد مكانه.
“أيوه… ده رقمي.”
سأله القاضي:
“إزاي رقم بطاقتك موجود؟”
فضل كريم ساكت شوية، وفجأة افتكر.
قال بسرعة:
“أمي كانت دايمًا تاخد بطاقتي بحجة إنها تخلصلي أي ورق أو تشتري علاج، وأنا مكنتش بسأل.”
بدأت المباحث تراجع كاميرات الصيدلية.
لكن مر على الواقعة أكتر من ست شهور، والكاميرات كانت اتحذفت تلقائيًا.
مع ذلك، صاحب الصيدلية حضر للشهادة.
قال:
“أنا فاكر الست دي كويس.”
وأشار بإيده ناحية أم كريم.
“هي اللي كانت بتيجي بنفسها، وكانت بتقولي إن المادة دي عايزاها للقضاء على الفيران في مزرعة.”
أنكرت أم كريم في البداية.
لكن صاحب الصيدلية أكمل:
“ولما طلبت البطاقة، قالت إنها بطاقة ابنها.”
ساد الصمت.
القاضي نظر إليها وقال:
“هل تنكرين ذلك؟”
خفضت رأسها.
ولم تجب.
اعتبر القاضي صمتها قرينة تحتاج إلى تقييم مع باقي الأدلة، لكنه لم يعتبره وحده دليلًا قاطعًا.
ثم وقف وكيل النيابة وقال:
“الأدلة المقدمة حتى الآن تشير إلى وجود شبهة قوية في استخدام بطاقة كريم لشراء المادة، وإلى تورط أكثر من شخص بدرجات مختلفة، لكن المحكمة هي صاحبة الكلمة الأخيرة بعد استكمال جميع الأدلة وسماع المرافعات.”
نظرت إلى كريم.
كان يبكي بصمت.
اقترب مني بعد انتهاء الجلسة، لكن رجال الأمن منعوه.
قال بصوت مكسور:
“أنا غلطت لما سيبتك لوحدك… ولما ما صدقتكيش.”
بصيت له بهدوء.
وقلت:
“في فرق بين إنسان يخطئ… وإنسان يختار يتجاهل الحقيقة.”
خفض رأسه، ولم يجد أي رد.
خرجت من المحكمة وأنا أشعر أن العدالة بدأت تأخذ مجراها.
لم تعد أهم أمنياتي أن أنتقم…
بل أن أبدأ حياة جديدة، بعيدًا عن الخوف والكذب، ومع يقين أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تختفي إلى الأبد.
حكايات شروق خالد
بعد أسبوع…
امتلأت قاعة المحكمة عن آخرها.
الصحفيون كانوا منتظرين خارج المبنى، لأن القض*ية بقت حديث الناس.
دخلت وأنا مستندة على أختي.
كانت خطواتي بقت أقوى من الأول.
ولما شافني كريم…
حاول يبصلي.
لكنني حولت عيني بعيد.
بدأت الجلسة.
وقف ممثل النيابة وقال:
“سيادة المحكمة… بعد استكمال التحقيقات، وسماع الشهود، وفحص الأدلة الفنية، ثبت وجود شبهة قوية في واقعة الاعتداء على المجني عليها، بالإضافة إلى أدلة على إعطائها مادة سامة على فترات متقطعة. وتطلب النيابة توقيع العقوبة التي تراها المحكمة وفق ما يثبته القانون.”
بعدها وقف محامي أم كريم.
حاول يقول إن كل اللي حصل كان مجرد حادث.
وإن الاعترافات كانت تحت ضغط نفسي.
لكن القاضي قاطعه.
“المحكمة ستُقيِّم الاعترافات مع باقي الأدلة، ولن تعتمد على أي دليل منفرد.”
ثم طلب استدعاء آخر شاهد.
دخل الطبيب الشرعي.
وقال بثبات:
“إصابات المجني عليها تتفق مع سقوط ناتج عن دفع، ولا يوجد ما يشير إلى أنها فقدت توازنها وحدها. كما أن نتائج التحاليل تؤكد تعرضها للمادة السامة على مدار أشهر.”
ساد الصمت.
ثم أعلن القاضي انتهاء المرافعات.
قال:
“ترفع الجلسة للمداولة.”
مرت ساعة…
كانت أطول ساعة في حياتي.
وأخيرًا…
رجعت هيئة المحكمة.
وقف الجميع.
بدأ القاضي يتلو منطوق الحكم.
“بعد الاطلاع على أوراق الدعوى، وسماع المرافعات، ومناقشة الأدلة…”
توقفت أنفاسي.
“…قررت المحكمة إدانة أم كريم عن الجرائم التي ثبتت في حقها وفق الأدلة المقدمة، ومعاقبتها بالعقوبة المقررة قانونًا.”
انهارت أم كريم في القفص وهي تصرخ:
“يا كريم… الحقني!”
لكن كريم لم يتحرك.
كان واقفًا يبكي في صمت.
ثم أكمل القاضي:
“أما بالنسبة إلى ريهام، فقد رأت المحكمة أن مسؤوليتها تُحدد في حدود ما ثبت من اشتراكها وعلمها بالأفعال، وفق ما انتهت إليه التحقيقات.”
خرجت ريهام منهارة، وهي تردد:
“أنا ضيعت حياتي بإيدي.”
انتهت الجلسة.
خرجت من المحكمة.
وقفت في ساحة المبنى.
رفعت وشي للسماء.
وأخدت نفسًا طويلًا.
أختي مسكت إيدي وقالت:
“خلصت.”
ابتسمت لأول مرة من شهور.
وقلت:
“لا… لسه.”
استغربت.
“لسه إيه؟”
بصيت لقدام.
“لسه هتعلم أعيش من جديد.”
بعد عام…
كنت واقفة في افتتاح مشروعي الصغير.
رجلي رجعت أحسن بفضل العلاج.
وبقيت أساعد سيدات مروا بتجارب عنف أسري، وأشجعهم يطلبوا المساعدة وما يسكتوش.
وفي نهاية اليوم…
وصلني ظرف بدون اسم.
فتحته.
كان فيه ورقة واحدة.
مكتوب فيها:
“سامحيني… لكني سأظل أندم طول عمري.”
وماكانش عليها توقيع.
طويتها بهدوء.
ورميتها في أقرب سلة مهملات.
لأن بعض الرسائل…
تيجي متأخرة جدًا.
والبعض الآخر…
لا يغيّر شيئًا.
حكايات شروق خالد
بعد ثلاثة أشهر…
كنت راجعة من شغلي.
أول ما وصلت البيت، لقيت أختي واقفة عند الباب ووشها متوتر.
قالت:
“في حد مستنيكي.”
دخلت.
اتفاجئت بوالد كريم قاعد في الصالون.
كان شكله أكبر بعشر سنين.
أول ما شافني وقف وقال:
“عارف إن مالياش حق أطلب منك أي حاجة.”
قلت ببرود:
“اتفضل.”
طلع ملف من شنطة جلد قديمة وحطه قدامي.
“دي كل الأوراق اللي كنت مخبيها.”
فتحت الملف.
كان فيه كشوفات حسابات.
وعقود.
ووثائق ملكية.
استغربت.
“إيه ده؟”
تنهد وقال:
“أم كريم كانت بتستغل توكيل عام كريم عملهولها من سنين.”
شهقت.
“توكيل؟”
“أيوه… كانت بتبيع وتشتري وتنقل فلوس من حسابه بحجة إنها بتدير أموره.”
قلبت في الأوراق.
لقيت تحويلات مالية كبيرة.
وبعضها كان خارج البلد.
سألته:
“ليه جايبلي الورق ده؟”
رد بصوت مكسور:
“لأن في جزء من الفلوس دي حقك.”
“حقي؟”
“كانت بتاخد من مرتب كريم، ومن حسابه، وبتقول له إنها بتصرف على البيت وعلاجك… بينما الحقيقة كانت مختلفة.”
في اللحظة دي…
رن تليفوني.
كان ضابط المباحث.
“مدام… محتاجين حضرتك تيجي بكرة.”
“خير؟”
“ظهر موضوع جديد أثناء فحص الحسابات.”
قلبي انقبض.
“موضوع إيه؟”
رد:
“واضح إن الق*ضية مش كانت شروع في قت*ل وبس… في شبهة ج/رائم مالية وتزوير كمان.”
…
في اليوم التالي…
دخلت النيابة.
الضابط رحب بيا وقال:
“إحنا اكتشفنا إن أم كريم كانت بتستخرج روشتات وأوراق علاج بأسماء مختلفة للحصول على أدوية بطريقة غير قانونية.”
ثم فتح ملفًا آخر.
وقال:
“وده خلانا نراجع قضايا قديمة.”
سألته:
“ولقيتوا إيه؟”
قال:
“في بلاغ قديم من خمس سنين ضدها… واتقفل لعدم كفاية الأدلة.”
سكت لحظة.
وأضاف:
“لكن بعد اللي ظهر في قض*يتك، النيابة قررت تعيد فحصه.”
خرجت من النيابة وأنا حاسة إن الماضي كله بيتفتح من جديد.
لكن لأول مرة…
ماكنتش خايفة.
كنت واثقة إن أي حقيقة هتظهر…
هتكون أقوى من أي كذبة اتبنت عليها سنين.
وبينما كنت ماشية…
وقف كريم بعيد على الرصيف المقابل.
ماحاولش يقرب.
ولا ناداني.
اكتفى إنه حط إيده على قلبه…
وكأنه بيعتذر من غير كلام.
أما أنا…
فاكتفيت إني لفيت وشي، وكملت طريقي.
لأن بعض الأبواب…
لما بتتقفل مرة واحدة صح…
ماينفعش تتفتح تاني.
السم في كوب العصير
حكايات شروق خالد
