حكايات اسما السيد

ضرتي خلتني أقف في آخر القاعة يوم تخرج ابني… لكن ابني قال جملة واحدة خلت القاعة كلها تقف على رجليها.

“ابنك مش عايزك تقعدي قدام يا مدام… ولو مُصممة تحضري، ممكن تقفي ورا.”

دي كانت الجملة اللي قالتها مرات جوزي السابق قدام الناس كلها، وكأن تمنتاشر سنة أمومة ممكن تتمسح علشان كرسي.

وقفت ساكتة.

مش علشان الكلام ماوجعنيش.

لا… وجعني لدرجة إني حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.

بس ابني كان واقف ورا الستارة الزرقا، مستني لحظة تخرجه.

ورفضت أسمح لقسوة أي حد تبوظ أهم يوم في حياته.

اسمي “مريم السيوفي”، عندي ٤٢ سنة، والصبح ده كنت كويت فستاني الأزرق مرتين.

الفستان ماكانش غالي.

اشتريته من محل بسيط في مدينة نصر وقت التخفيضات، بعد ما خلصت شيفت طويل في العيادة.

ولما قسته قدام المراية، ابتسمت لنفسي وقلت:

“آدم هيشوف أمه حلوة في الصور.”

ابني “آدم السيوفي” كان بيتخرج من الثانوية بتفوق.

ابني.

نفس الطفل اللي كان ينام على رجلي وأنا بخيط هدوم للناس علشان أجيب فلوس زيادة.

نفس الولد اللي اتعلم يعمل رز وهو عنده ١١ سنة علشان كنت برجع متأخرة من الشغل.

نفس الطفل اللي مرة سابلي ورقة على المخدة مكتوب فيها:

“ماما… ماتعيطيش. لما أكبر هخليكي ترتاحي.”

اليوم ده كان يومه.

وكنت مُصممة أضحك… حتى لو قلبي كله بيرتعش.

وصلت المدرسة أنا وأختي “نجلاء”، اللي كانت شايلة بوكيه عباد شمس وبتعيط قبل الحفلة حتى ما تبدأ.

قالتلي وهي نازلة من العربية:

“بلاش عياط فضايح النهارده.”

ضحكت وقلت:

“هحاول أعيط بذوق.”

وضحكنا إحنا الاتنين.

ولثواني قليلة… كنت سعيدة فعلًا.

مدرسة آدم كانت من النوع اللي العربيات الفخمة تملأ جراجها، والناس تصور أولادها ببالونات أغلى من مرتب شهر.

لكنه دخل المدرسة دي بمنحة.

بتعبه.وبسهره.وبكل شيفت إضافي أنا اشتغلته.

كان في أيام بحس إن المدرسة دي مش معمولة لناس زينا.

لكن آدم كان يمشي فيها رافع راسه… كأنه مقتنع من زمان إن الدنيا حقه هو كمان.

قبل التخرج بأسبوع، بعتلي رسالة:

“ماما، حجزتلك كرسيين قدام. الناحية الشمال. عايزك قريبة لما ينادوا اسمي.”

رديت عليه بقلب أحمر.

وبعدين استخبيت في حمام العيادة عشر دقايق أعيط من الفرحة.

لكن لما دخلت أنا ونجلاء القاعة…

الكرسيين اختفوا.

في الصف الأول، الناحية الشمال، كان قاعد طليقي “رامي عزت”، ومراته الجديدة “داليا”، وأمها، وقرايبها، وناس عمري ما شفتهم.

كلهم لابسين كأنهم هما اللي هياخدوا الشهادة.

رامي كان لابس بدلة غالية، وشعره متظبط، ونفس النظرة اللي كان بيبصها لما يحب الناس تشوفه مهم.

أما داليا…

فستان شامبين، كعب عالي، وابتسامة متجمدة كأنها متدربة عليها.

شافتني.

لا قامت.

ولا سلمت.

بس بصت للموظف اللي واقف بقائمة المقاعد.

الولد جه ناحيتي وهو متوتر أصلًا.

قال:

“آسف يا مدام… المقاعد دي محجوزة.”

ابتسمت بالعافية وقلت:

“أيوه، ابني آدم السيوفي حاجزلي كرسيين هنا.”

الولد بص للقائمة.

ثم بص للصف الأول.

وبعدين بلع ريقه.

“المكتوب عندي إن المقاعد لعيلة عزت.”

حسيت حاجة ساقعة بتفتح جوا صدري.

قلت:

“أنا أمه.”

نجلاء قربت بعصبية:”يعني إيه؟ دي أم الولد!”

الولد وطّى صوته:آسف جدًا… بس اتقالي لو حضرتك جيتي… ممكن تقفي ورا.

“تقف ورا؟!” نجلاء صرخت. “إنت سامع نفسك؟”

وهنا…

داليا لفت ببطء، ومن غير حتى ما توطي صوتها.

وقالت:

“آدم مش ناقصه دراما النهارده. أمه تتفرج من ورا… أكيد متعودة.”

الكلام ضربني أقوى من الكف.نجلاء مسكت الورد بعنف وقالت:”قوليها تاني كده.”مسكت إيدها بسرعة.

“لا.””مريم، ماينفعش تسكتي!”

همست:”مش النهارده… مش يومه.”

رامي حتى ما لفش.

ودي كانت أكتر حاجة وجعتني.

لا دافع عني.ولا حتى دافع عن رغبة ابنه.ولا بص ناحيتي.

بس عدل بدلته وكمل بص على المسرح كأن كل حاجة في مكانها الطبيعي.حتى أنا…في آخر القاعة.حسيت إن الناس كلها بتبصلي.يمكن ماكانوش.

بس الإهانة بتخلي أي همسة تحسها باسمك.

مشيت لآخر القاعة.

أنا ونجلاء.وقفنا تحت علامة الخروج.من غير كراسي.

من غير برنامج.من غير حتى وردة على مكاننا.

مجرد ضل بعيد عن المسرح.نجلاء همست:

“آدم قالك الصف الأول.”

قلت:”عارفة.”

“يبقى أكيد مايعرفش اللي حصل.”

ما رديتش.لأن السؤال اللي كان بيمزقني هو:

ماذا لو كان يعرف؟

ماذا لو رامي خلاه يختارهم؟

ماذا لو ابني اختار العيلة اللامعة قدام… بدل أمه اللي تعبت؟

كرهت نفسي إني فكرت كده.

بس الخوف مش دايمًا عادل.

بدأت الحفلة.

المدرسين دخلوا.

الطلبة صفّوا.

والمديرة طلعت تتكلم عن النجاح… وعن العائلات اللي بتقف جنب ولادها.

“العائلات اللي بتقف جنب ولادها.”

اضطريت أضغط على شفايفي علشان ما أعيطش.

من آخر القاعة كنت شايفة رامي مرتاح.

وداليا بتهمسله.

وأمها بتصور كأن آدم ابنهم هما.

وفجأة…افتكرت يوم ما رامي سابنا.كان آدم عنده ست سنين.قال إنه “عايز يلاقي نفسه.”

الغريب إنه لقى نفسه بسرعة جدًا في بيت تاني… مع ست تانية… وحياة تانية.في الأول وعد بزيارات.

ثم مكالمات.ثم أيام كاملة.وبعدين بقى كل أسبوعين.

ثم هدايا متأخرة.ثم نفقة بالمحكمة.لكن عمري ما شوّهته قدام آدم.أبدًا.بلعت كل وجع.

كل خيبة.

كل مرة ابني يقف عند الشباك مستني أبوه.

وكنت أقول:”بابا بيحبك بطريقته.”

وبعدين أدخل الحمام وأعيط… لأن بعض أنواع الحب تشبه الهجر جدًا.

لكن آدم كبر.

وأنا كنت موجودة.

في السخونية.

في المذاكرة.

في ماتشات الكورة اللي كنت أروحها باليونيفورم.

في اجتماعات المدرسة اللي كنت أوصلها متأخرة وريحة المطهرات في هدومي.

في الليالي اللي كان العشا فيها بيض وخبز لأن المرتب لسه بعيد.

وفي الصباحات اللي كان ينهار فيها، فأقوله:

“إحنا السيوفيين ما بنركعش غير لربنا.”

وفجأة…المزيكا اتغيرت.الطلبة بدأوا يدخلوا.الناس كلها وقفت تسقف.فضلت أدور وسط العباءات الزرقا لحد ما شفته.

آدم.طويل.هادي.جميل بشكل وجع قلبي.عينيه كانت بتدور في القاعة وهو ماشي.

في الأول بص للصف الأول.رامي رفع إيده بفخر.وداليا ابتسمت.لكن آدم…ما ابتسمش.عينه كملت تدور.على الصفوف.على الناس.لحد ما وصلت لآخر القاعة.وشافني.عينينا اتقابلت.وفي اللحظة دي…وشه اتغير…

وفي اللحظة دي… وشه اتغير تمامًا.

ملامح الفرحة والهدوء اللي كانت على وشه اختفت، وحل مكانها ذهول، وبعدين غضب مكتوم وهو شايفني واقفة أنا وخالته نجلاء في آخر القاعة، تحت علامة الخروج، من غير كراسي، وسط الزحمة والناس اللي بتتحرك حوالينا.

آدم وقف في مكانه لثوانٍ، لدرجة إن زميله اللي وراه خبط فيه بالراحة علشان يكمل مشي مع الطابور. رامي وداليا كانوا فاكرينه بيبص عليهم ورافعين إيديهم، لكن عيون آدم كانت مثبتة عليا أنا. لمح فستاني الأزرق، ولمح بوكيه عباد الشمس اللي في إيد نجلاء، وعرف على طول إيه اللي حصل.

كمل مشي مع زمايله لحد ما طلعوا كلهم على المسرح وقعدوا في أماكنهم. وطول ما المديرة كانت بتتكلم، عينه ما نزلتش من عليا. كنت بهز راسي ليه بالراحة وابتسم، وبشاورله بـ “إبهامي” يعني كل حاجة تمام، اركز في حفلتك. لكن هو ما كانش تمام. كنت شايفة فكه المشدود، وإيده اللي بتفرك الشهادة اللي لسه ما استلمهاش.

بدأت المديرة تنادي الأسامي بالترتيب الأبجدي.

الطلبة كانت بتطلع، وأهاليهم في الصفوف الأولى بيقفوا يصرخوا ويسقفوا. رامي عدل جرافته، وداليا جهزت تليفونها الغالي على وضع الفيديو، وأمها بدأت تظبط قعدتها عشان تظهر في الكادر.

وجاء الدور عليه.

المديرة مسكت المايك وقالت بصوت قوي:

“والآن… الطالب المثالي والحاصل على المركز الأول على الدفعة… آدم رامي عزت.”

القاعة كلها هزتها السقفة. رامي وقف بطوله، وداليا وقفت معاه وهي بتصوت بفخر مصطنع، والتفتت يمين وشمال عشان تأكد للناس إن البطل ده يخصهم.

آدم قام من مكانه. مشي بثبات لحد ما وصل للمسرح، استلم شهادته، وسلم على المديرة. وفي المدارس اللي من النوع ده، الطالب الأول بيكون ليه حق يلقي كلمة التخرج نيابة عن زمايله.

المديرة قربت منه المايك، وابتسمت وقالت: “اتفضل يا آدم، القاعة كلها بتسمعك.”

آدم مسك المايك. بص على الورقة اللي في إيده، والناس كلها سكتت مستنية خطبة التخرج التقليدية عن الطموح والمستقبل. لكن آدم طبق الورقة وحطها في جيب بدلته.

بص مباشرة على الصف الأول. على أبوه ومراته. داليا كانت لسه رافعة التليفون وبتسجل.

آدم قرب من المايك، وبصوت جهوري، هادي ومسموع في كل ركن في القاعة، قال:

“أنا اسمي آدم مريم السيوفي.”

القاعة كلها سكتت سكوت مفاجئ. داليا نزلت التليفون ببطء، ورامي ملامحه اتجمدت.

آدم كمل وهو عينه بتتحرك من الصف الأول وبتروح لآخر القاعة، مكاني أنا:

“الاسم اللي مكتوب في شهادتي مش هو اللي صنعني. اللي صنعتني هي الست اللي واقفة هناك دي… في آخر القاعة، عند باب الخروج.”

في اللحظة دي، مئات الرؤوس في القاعة لفت كلها ببطء وبدأت تبص ورا. الكاميرات اللي كانت موجهة للمسرح، لفت وصوبت عدساتها وفلاشاتها عليا أنا وفستاني الأزرق الرخيص.

آدم كمل في المايك، وصوته بدأ يرعش بس بقوة:

“الست اللي واقفة ورا دي، اشتغلت شيفتات إضافية في العيادات عشان أدخل المدرسة دي. خيطت هدوم للناس بالليل عشان تدفعلي تمن الكتب. الست دي هي اللي خلتني راجل، وهي اللي علمتني إن السيوفيين ما بيركعوش غير لربنا. وعشان كده… أنا مش هلقي خطبتي وأنا شايف أمي واقفة على رجليها في آخر الصالة عشان في ناس فاكرة إن الكراسي بتتشري بالفلوس.”

آدم نزل المايك من على حامل المسرح، وبحركة سريعة ومفاجئة، نزل من على السلالم.

ساب المديرة، وساب المدرسين، ومشي في الممر الواسع اللي في النص.

وهو ماشي، عدى على الصف الأول. رامي حاول يمد إيده يمسكه ويقوله: “آدم، إنت بتعمل إيه؟ الفضايح دي؟”

لكن آدم وداير وجهه عنه تمامًا، ولا كأنه شايفه. عدى من جنب داليا اللي وشها بقى أصفر زي الليمونة من الصدمة والإحراج قدام مجتمعها اللي بتهتم بيه.

آدم كان بيمشي بخطوات سريعة وواسعة في الممر، والشهادة في إيده، لحد ما وصل عندي في آخر القاعة.

وقف قدامي.

كانت دموعه نزلت خلاص.

رفع إيده وحط قبعة التخرج الزرقا على راسي أنا، وحط الشهادة في إيدي، ووطى باس راسي قدام العيون دي كلها، وقال بصوت عالي سمعه كل اللي حوالينا:

“مبروك التخرج يا أمي… الشهادة دي بتاعتك إنتي، وإنتي اللي مكانك قدام الكل.”

في اللحظة دي، سمعت صوت كراسي بتتحرك بعنف. الناس في الصفوف الأخيرة بدأت تقف وتسقف. وبعدين الصفوف اللي في النص. وخلال ثواني، القاعة كلها كانت واقفة على رجليها، بتسقف لآدم وليا. الدكاترة، المهندسين، أهالي الطلبة الأغنياء، كلهم كانوا بيبصوا لآخر القاعة وبيسقفوا بحرارة، وبعض الأمهات كانوا بيعيطوا.

نجلاء كانت بتصرخ وهي بتعيط وتديله بوكيه عباد الشمس: “أنا قلتلك بلاش عياط فضايح!”

وأنا؟ أنا كنت حاسة إن الـ ١٨ سنة تعب دابوا في ثانية واحدة. الركض في الشوارع، ريحة المطهرات، قلة الفلوس، الخوف من المستقبل… كله اتمسح.

آدم مسك إيدي وإيد خالته وقال: “يلا بينا من هنا، الحفلة بالنسبة لي خلصت.”

ولما التفتنا عشان نمشي ونخرج من الباب، بصيت لورا بصه أخيرة.

كان الصف الأول فاضي تمامًا. رامي وداليا وأهلها كانوا بيلموا حاجتهم وبيمشوا بسرعة من الأبواب الجانبية عشان يهربوا من نظرات الناس وهمساتهم اللي بقت كلها عليهم.

خرجنا للهواء والشمس. وآدم دراعه في دراعي.

بصيت للفستان الأزرق وقلت في بالي: “فعلاً… آدم شاف أمه أحلى واحدة في القاعة كلها.”
وفي اللحظة دي… وشه اتغير تمامًا.

ملامح الفرحة والهدوء اللي كانت على وشه اختفت، وحل مكانها ذهول، وبعدين غضب مكتوم وهو شايفني واقفة أنا وخالته نجلاء في آخر القاعة، تحت علامة الخروج، من غير كراسي، وسط الزحمة والناس اللي بتتحرك حوالينا.

آدم وقف في مكانه لثوانٍ، لدرجة إن زميله اللي وراه خبط فيه بالراحة علشان يكمل مشي مع الطابور. رامي وداليا كانوا فاكرينه بيبص عليهم ورافعين إيديهم، لكن عيون آدم كانت مثبتة عليا أنا. لمح فستاني الأزرق، ولمح بوكيه عباد الشمس اللي في إيد نجلاء، وعرف على طول إيه اللي حصل.

كمل مشي مع زمايله لحد ما طلعوا كلهم على المسرح وقعدوا في أماكنهم. وطول ما المديرة كانت بتتكلم، عينه ما نزلتش من عليا. كنت بهز راسي ليه بالراحة وابتسم، وبشاورله بـ “إبهامي” يعني كل حاجة تمام، اركز في حفلتك. لكن هو ما كانش تمام. كنت شايفة فكه المشدود، وإيده اللي بتفرك الشهادة اللي لسه ما استلمهاش.

بدأت المديرة تنادي الأسامي بالترتيب الأبجدي.

الطلبة كانت بتطلع، وأهاليهم في الصفوف الأولى بيقفوا يصرخوا ويسقفوا. رامي عدل جرافته، وداليا جهزت تليفونها الغالي على وضع الفيديو، وأمها بدأت تظبط قعدتها عشان تظهر في الكادر.

وجاء الدور عليه.

المديرة مسكت المايك وقالت بصوت قوي:

“والآن… الطالب المثالي والحاصل على المركز الأول على الدفعة… آدم رامي عزت.”

القاعة كلها هزتها السقفة. رامي وقف بطوله، وداليا وقفت معاه وهي بتصوت بفخر مصطنع، والتفتت يمين وشمال عشان تأكد للناس إن البطل ده يخصهم.

آدم قام من مكانه. مشي بثبات لحد ما وصل للمسرح، استلم شهادته، وسلم على المديرة. وفي المدارس اللي من النوع ده، الطالب الأول بيكون ليه حق يلقي كلمة التخرج نيابة عن زمايله.

المديرة قربت منه المايك، وابتسمت وقالت: “اتفضل يا آدم، القاعة كلها بتسمعك.”

آدم مسك المايك. بص على الورقة اللي في إيده، والناس كلها سكتت مستنية خطبة التخرج التقليدية عن الطموح والمستقبل. لكن آدم طبق الورقة وحطها في جيب بدلته.

بص مباشرة على الصف الأول. على أبوه ومراته. داليا كانت لسه رافعة التليفون وبتسجل.

آدم قرب من المايك، وبصوت جهوري، هادي ومسموع في كل ركن في القاعة، قال:

“أنا اسمي آدم مريم السيوفي.”

القاعة كلها سكتت سكوت مفاجئ. داليا نزلت التليفون ببطء، ورامي ملامحه اتجمدت.

آدم كمل وهو عينه بتتحرك من الصف الأول وبتروح لآخر القاعة، مكاني أنا:

“الاسم اللي مكتوب في شهادتي مش هو اللي صنعني. اللي صنعتني هي الست اللي واقفة هناك دي… في آخر القاعة، عند باب الخروج.”

في اللحظة دي، مئات الرؤوس في القاعة لفت كلها ببطء وبدأت تبص ورا. الكاميرات اللي كانت موجهة للمسرح، لفت وصوبت عدساتها وفلاشاتها عليا أنا وفستاني الأزرق الرخيص.

آدم كمل في المايك، وصوته بدأ يرعش بس بقوة:

“الست اللي واقفة ورا دي، اشتغلت شيفتات إضافية في العيادات عشان أدخل المدرسة دي. خيطت هدوم للناس بالليل عشان تدفعلي تمن الكتب. الست دي هي اللي خلتني راجل، وهي اللي علمتني إن السيوفيين ما بيركعوش غير لربنا. وعشان كده… أنا مش هلقي خطبتي وأنا شايف أمي واقفة على رجليها في آخر الصالة عشان في ناس فاكرة إن الكراسي بتتشري بالفلوس.”

آدم نزل المايك من على حامل المسرح، وبحركة سريعة ومفاجئة، نزل من على السلالم.

ساب المديرة، وساب المدرسين، ومشي في الممر الواسع اللي في النص.

وهو ماشي، عدى على الصف الأول. رامي حاول يمد إيده يمسكه ويقوله: “آدم، إنت بتعمل إيه؟ الفضايح دي؟”

لكن آدم وداير وجهه عنه تمامًا، ولا كأنه شايفه. عدى من جنب داليا اللي وشها بقى أصفر زي الليمونة من الصدمة والإحراج قدام مجتمعها اللي بتهتم بيه.

آدم كان بيمشي بخطوات سريعة وواسعة في الممر، والشهادة في إيده، لحد ما وصل عندي في آخر القاعة.

وقف قدامي.

كانت دموعه نزلت خلاص.

رفع إيده وحط قبعة التخرج الزرقا على راسي أنا، وحط الشهادة في إيدي، ووطى باس راسي قدام العيون دي كلها، وقال بصوت عالي سمعه كل اللي حوالينا:

“مبروك التخرج يا أمي… الشهادة دي بتاعتك إنتي، وإنتي اللي مكانك قدام الكل.”

في اللحظة دي، سمعت صوت كراسي بتتحرك بعنف. الناس في الصفوف الأخيرة بدأت تقف وتسقف. وبعدين الصفوف اللي في النص. وخلال ثواني، القاعة كلها كانت واقفة على رجليها، بتسقف لآدم وليا. الدكاترة، المهندسين، أهالي الطلبة الأغنياء، كلهم كانوا بيبصوا لآخر القاعة وبيسقفوا بحرارة، وبعض الأمهات كانوا بيعيطوا.

نجلاء كانت بتصرخ وهي بتعيط وتديله بوكيه عباد الشمس: “أنا قلتلك بلاش عياط فضايح!”

وأنا؟ أنا كنت حاسة إن الـ ١٨ سنة تعب دابوا في ثانية واحدة. الركض في الشوارع، ريحة المطهرات، قلة الفلوس، الخوف من المستقبل… كله اتمسح.

آدم مسك إيدي وإيد خالته وقال: “يلا بينا من هنا، الحفلة بالنسبة لي خلصت.”

ولما التفتنا عشان نمشي ونخرج من الباب، بصيت لورا بصه أخيرة.

كان الصف الأول فاضي تمامًا. رامي وداليا وأهلها كانوا بيلموا حاجتهم وبيمشوا بسرعة من الأبواب الجانبية عشان يهربوا من نظرات الناس وهمساتهم اللي بقت كلها عليهم.

خرجنا للهواء والشمس. وآدم دراعه في دراعي.

بصيت للفستان الأزرق وقلت في بالي: “فعلاً… آدم شاف أمه أحلى واحدة في القاعة كلها.”

بعد ما خرجنا من باب القاعة، الهوا برا كان بارد وبيخبط في وشنا، بس جوايا كان في دفا عمري ما حسيته قبل كده.

آدم كان ماشي جنبي، ماسك إيدي اليمين بقوة، وإيده الشمال فيها بوكيه عباد الشمس اللي خالته نجلاء صممت تشيلهوله وهي لسه بتمسح دموعها. كان لابس روب التخرج الأزرق مفتوح، وقبعة التخرج كانت لسه فوق راسي أنا.

في الجراج، وسط العربيات الفخمة والسائقين اللي مستنيين أصحابهم، قعدنا في عربية نجلاء الصغيرة البسيطة. أول ما قفلنا الأبواب، القاعة والناس والدنيا كلها بقت ورا ضهرنا.

آدم لف ليا، وبص في عيني وقال:

“سامحيني يا أمي.”

قلتله وأنا بملس على شعره:

“أسامحك على إيه يا قلب أمك؟ إنت رفعت راسي قدام الدنيا كلها.”

قال وصوته فيه غصة:

“أسامحيني إني سبت رامي يتدخل في تفاصيل اليوم ده. لما قالي إنه هيتكفل بمصاريف حفلة التخرج الكبيرة اللي بعد المدرسة ويحجز القاعة، قاطعت كلامه وقلتله مش عايز منك حاجة. بس هو أصر وقالي (أنا أبوك وده حقي قدام الناس). ما كنتش أعرف إن داليا هتوصل بفساد قلبها لدرجة إنها تقعد في مكاني ومكانك وتطردك ورا.”

نجلاء لفت من كرسي القيادة وقالت بعصبية ممزوجة بفخر:

“تغور داليا ويغور رامي يا آدم! إنت مشفتش وشها بقا عامل ازاي؟ الست كانت بتدور على أي خرم في الأرض تستخبى فيه. الناس كلها كانت بتبص لهم بقرف وهم خارجين.”

آدم ما اهتمش بكلام نجلاء، كان كل همه أنا.

“أنا مش هرجع البيت ده تاني يا ماما.”

اتخضيت وقلتله: “بيت إيه يا آدم؟”

قال: “البيت اللي رامي اشترهولي باسمي من سنة عشان يراضيني بيه. الشقة اللي في التجمع. أنا كنت واخدها وعامل حسابي إننا هنقل فيها أنا وإنتي عشان ترتاحي من إيجار شقة مدينة نصر. بس الفلوس اللي جاية من رامي، وجاية معاها إهانات ليكي، مش عايزها. أنا هشتغل من بكره. المنحة اللي جاتلي من الجامعة الأمريكية مغطية كل مصاريف دراستي، وهدور على أي شغل تظبيط شبكات أو برمجة بالليل. أنا مش عايز من الراجل ده ولا مليم.”

حطيت إيدي على بقه وقلتله:

“يا آدم، إحنا ما بنخدش قرارات وإحنا زعلانين. رامي عزت أبوك، ومهما عمل، الشقة دي حقك. تعب السنين اللي فاتوا ما كانش بس تعبي أنا، ده كان حقك اللي هو حرمك منه وهي النفقة والرعاية. الشقة دي مش هدية منه، ده جزء صغير من دين قديم عليه.”

آدم سكت، بس ملامحه كانت لسه جامدة.

وصلنا بيتنا الصغير في مدينة نصر. البيوت بتعرف أصحابها، والحيطان البسيطة كانت أرحم بكتير من جدران المدرسة الفخمة. دخلت غيرت فستاني الأزرق، وشيلت قبعة التخرج وحطيتها فوق التلفزيون القديم، وجنبها الشهادة.

تليفون آدم ما بطلش رن.

أصحابه في المدرسة، المدرسين، وحتى أرقام غريبة ما يعرفهاش. الفيديو اللي زمايله صوروه وهو بيتكلم في المايك وينزل من على المسرح يجيلي، كان بدأ يتسرب على جروبات المدرسة والمنطقة.

وفجأة، تليفوني أنا اللي رن.

الشاشة نورت باسم “رامي”.

بصيت للتليفون وكنت هكنسل، بس نجلاء قالتلي: “افتحي عليه يا مريم، اسمعي هيقول إيه بعد الفضيحة دي.”

فتحت الخط ووقفت بعيد عن آدم.

صوت رامي كان بيرتعش، مش من الحزن، من الغضب والكبرياء المجروح.

“عاجبك اللي ابنك عمله ده يا مريم؟ خليتي الواد يفضاحنا قدام مجتمعنا كله؟ داليا من ساعة ما رجعنا وهي منهارة وقافلة على نفسها، وأصحابنا كلهم بيكلموني يسألوني إيه المهزلة اللي حصلت دي!”

رديت عليه بكل هدوء وثبات، الهدوء اللي بيجي بعد النصر:

“ابنك عمل اللي تربيته نظيفة تخليه يعمله يا رامي. ابنك شاف أمه بتتهان في يوم نجاحه، فقرر يرجع لها حقها. إنت ومراتك اللي اخترتوا تخلوا الكراسي أهم من الأصول، فذوقوا بقى نتيجة اختياركم.”

رامي صرخ: “أنا هحرمه من كل حاجة! الشقة اللي باسمه هرفع قضية وأرجعها، ومش هيدخل الجامعة اللي كان بيحلم بيها على حسابي!”

وقبل ما أرد، لقيت إيد آدم امتدت وسحبت التليفون من إيدي بالراحة.

حط التليفون على ودنه وقال بلهجة حاسمة وباردة لدرجة تخوف:

“اسمعني كويس يا رامي بيه. الشقة دي إنت كاتبها بيع وشراء نهائي، ولو حاولت تقرب منها، المحامي بتاعنا هيكون عندك بكره بالوصولات القديمة للنفقة اللي إنت ما دفعتهاش وتنازلنا عنها بمزاجنا. أما الجامعة، فأنا مقبول فيها بمنحة كاملة من شهرين ومش محتاج منك جنيه واحد. من النهارده… أنا اسمي آدم مريم السيوفي، والاسم ده هو اللي هيتكتب في شهادة التخرج الكبيرة.”

وقبل ما رامي ينطق بكلمة، آدم قفل السكة في وشه، وعمل للرقم “بلوك”.

لف ليا وابتسم، الابتسامة الصافية اللي بحبها. وقال:

“أنا جعان يا أمي… مش هتعمليلنا رز وفراخ من بتاعة زمان؟”

ضحكت ودموعي نزلت، ودخلت المطبخ وأنا حاسة إن بكرة مش مجرد يوم جديد… بكرة ده بداية عصر جديد لينا إحنا الاتنين.
ريحة الرز بالفراخ والملوخية اللي عملتها كانت مالية الشقة البسيطة، ريحة دافية بتطرد أي أثر للي حصل الصبح. كنا قاعدين أنا وآدم ونجلاء حوالين السفرة الصغيرة، وبنضحك من قلبنا كأننا ما كناش بنبكي من كام ساعة.

آدم كان بياكل بشهية غابت عنه بقالها شهور بسبب ضغط الامتحانات، وكل شوية يبص للشهادة المحطوطة فوق التلفزيون ويبتسم.

وفجأة، الباب خبط.

نجلاء قامت بسرعة وقالت: “خليكوا مرتاحين، هشوف مين.”

ثواني وسمعت صوت نجلاء بيتغير، نبرة حادة ورافضة: “إنتي إيه اللي جابك هنا؟ وليكي عين تيجي لحد باب بيتنا؟”

قمت من على السفرة وآدم قام ورايا فورًا. رحت عند الباب، ولقيت داليا واقفة.

ما كانتش داليا بتاعة الصبح؛ الفستان الشامبين كان متبهدل، الكعب العالي اتمطوح في إيدها، والماكياج كان سايح من العياط. وشها كان باهت كأن الكبرياء كله اتهد في لحظة واحدة.

أول ما شافتني، سابت الكعب من إيدها وقربت خطوة، وصوتها كان مخنوق ومكسور:

“مريم… أرجوكي اسمعيني.”

آدم وقف قدامي، كأنه حيطة سد، وقال بنبرة ترعب: “إنتي لسه ليكي عين تدخلي منطقتنا أصلاً؟ اتفضلي بره قبل ما أطلبلك الأمن.”

داليا بدأت تعيط بهستيرية وقالت وهي بتبص لآدم: “يا آدم عشان خاطري اسمعني.. أنا جاية لأمك مش ليك. رامي قالب البيت حريقة، والمحاميين بتوعه من ساعة ما رجعنا وهم شغالين على ورق الشقة عشان يسحبها منك، ومش بس كده.. ده طلقني يا آدم! طلقني ورمى شنطي في الشارع قدام البواب والشغالين عشان يغسل فضيحته قدام ناسه ويقول إن أنا السبب في كل اللي حصل!”

بصيت لها وكنت ساكتة. الوجع اللي شفته في عيونها وهي مطرودة ومتهانة، كان نفس الوجع اللي حاولت تسببهولي الصبح، بس الدنيا دارت أسرع مما كنا نتخيل.

نجلاء زعقت: “والله؟ وإحنا مالمنا؟ إنتي اللي بدأتي، وإنتي اللي قلتي لأم البطل تتفرج من ورا لأنها متعودة.. اشربي بقى من نفس الكأس!”

داليا نزلت على ركبها في الصالة، وبكت بحرقة وهي بتبصلي: “أنا غلطت يا مريم.. الغرور أعمى عيني، والمنظرة قدام قرايبي خلتني أتصرف زي الشياطين. رامي قال ماليش قعاد في بيته، وأهلي رافضين يستقبلوني بعد الفضيحة اللي بقت على كل جروبات المدارس والنوادي. الفيديو بتاع آدم بقى تريند، وكل الناس بتلومني أنا. رامي بيهددني إنه مش هيديني مؤخر ولا نفقة لو ما صالحتش آدم وخليته ينزل فيديو تكذيب.”

آدم زعق: “تكذيب إيه؟ أنا ما قلتش كلمة واحدة غلط! ده حقي وحق أمي.”

داليا بصتلي وقالت: “أبوس إيدك يا مريم.. أنا ماليش حتة أروحها النهارده، وماليش مأوى.. قولي لآدم يكلم أبوه، رامي بيخاف من آدم ومستقبله، لو آدم قاله إنه مسامح، رامي هيرجعني.”

الصمت حل في الصالة.

نجلاء كانت بتبصلي ومستنية أطردها، وآدم كان فكه مشدود وعينه بتطلع شرار.

قربت من داليا ببطء. وطيت ومسكت إيدها، وقومتها من على الأرض وقعدتها على الكرسي.

آدم قال بذهول: “يا ماما! بعد كل اللي عملته فيكي؟”

بصيت لآدم وقلتله بهدوء: “يا بني.. إحنا السيوفيين، ما بنشمتش في كسر الحريم، وما بنردش الإهانة بإهانة تانية لما المعتدي يكون واقع ومكسور.”

التفتت لداليا وقلت لها بصوت حاسم بس من غير قسوة:

“أنا مش هخلي آدم يعمل فيديوهات، ولا هخليه يكذب، لأن ابني ما قالش غير الحقيقة وإنتي عارفة كده كويس. ورامي طلقك مش عشان هو زعلان عليا، رامي طلقك عشان شكله بقى وحش قدام الناس، وهو بيموت في المظاهر. يعني لو رجعتي له، هترجعي لشخص ما بيحترمكيش.”

داليا كانت بتسمع وهي بتشهق من العياط.

كملت كلامي: “اللي هقدر أعمله عشانك، إنك هتقعدي هنا الليلة دي، في أوضة نجلاء، لحد الصبح. وبكره الصبح، أنا هكلملك محامي محترم من العيادة اللي بشتغل فيها، ياخدلك كل حقوقك ومؤخرك من رامي غصب عنه بالقانون، لأن رامي زي ما خاف من كلام ابنه، هيخاف من المحاكم والسيرة في الجرايد.”

داليا بصتلي بذهول، كأنها مش مصدقة إن الست اللي طردتها الصبح هي الوحيدة اللي فتحت لها بيتها بالليل.

آدم بصلي، وعيونه كان فيها كمية فخر وذهول من أمومتي وقوتي، ابتسم بالراحة وهز رأسه كأنه بيقول: “فعلاً.. إنتي عظيمة.”

نجلاء اتنهدت وقالت لداليا بقرف بس بقلب طيب: “قومي.. قومي اغسلي وشك المتبهدل ده، وتعالي كلي لقمة ترم عضمك، مريم السيوفية دي قلبها أبيض من الشاش، بس اوعي تفتكري إننا نسينا.”

دخلت داليا مع نجلاء، ولفيت أنا لآدم اللي قرب وحضني بقوة وقال:

“أنا كل يوم بتعلم منك درس جديد يا أمي.. ربنا ما يحرمني منك.”

قلتله وأنا بضمّه: “ولا يحرمني منك يا سيادة الباشمهندس.. بكره ورانا مشوار طويل للجامعة، وعايزاك رافع راسك لفوق.”

نمنا الليلة دي وبيتنا فيه سلام غريب، بس إحنا عارفين إن رامي عزت مش هيسكت، وإن المعركة الجاية معاه مش هتبقى سهلة.. خصوصاً لما يعرف إن طليقته القديمة وطليقته الجديدة بقوا إيد واحدة ضده.

الصبح جه ومعه طاقة جديدة ونور مالي الشقة. فتحت عيني على صوت حركة خفيفة في المطبخ، ولما دخلت لقيت داليا واقفة بتغسل الأطباق اللي أكلنا فيها بالليل، وكانت لامت شعرها ولابسة عباية بسيطة من بتوع نجلاء.

أول ما شافتني، نزلت عينها في الأرض بكسوف وقالت: “صباح الخير يا مريم.. أنا ما عرفتش أنام من كتر التفكير، فقلت أعمل أي حاجة أرد بيها ولو جزء بسيط من جمايلك.”

ابتسمت لها وقلت: “صباح النور يا داليا، سيبي الحاجة دي وتعالي اشربي معايا شاي.”

قعدنا على السفرة، وخلال دقائق صحي آدم ونجلاء. آدم أول ما شاف داليا قاعدة معنا، ملامحه كانت هادية، النفرة والغل اللي كانوا في عيونه الصبح اللي فات اختفوا، وحل مكانهم برود الراجل اللي عارف هو واقف فين بالظبط.

آدم بص ساعته وقال: “ماما، أنا هتحرك دلوقتي على الجامعة الأمريكية عشان أخلص ورق المنحة، ومش هأخر.. المحامي اللي قلتِ عليه هيكلمك الساعة حداشر.”

قلتله: “تروح وترجع بالسلامة يا حبيب أمي، ربنا يفتحها عليك.”

أول ما آدم قفل الباب وراه، تليفون داليا رن. بصت للشاشة ووشها جاب ألوان، وقالت بصوت مرعوب: “ده رامي.. أكيد عرف إني هنا.”

نجلاء خطفت التليفون منها وفتحت الاسبيكر من غير ما تتكلم.

صوت رامي كان طالع زي الفحيح، مليان غل وخطط: “اسمعي يا داليا.. البواب قالي إنه شافك ورايحة شقة مريم في مدينة نصر. إنتي فاكرة نفسك ذكية؟ فاكرة إنك لما تستخبي عند طليقتي هتلوي دراعي؟ أنا بعتلك ورقة طلاقك على بيت أهلك، وبكره الصبح المحامي بتاعي هيغير قفل الشقة اللي في التجمع اللي باسم آدم، والشركة اللي كنت كاتبلك جزء من أسهمها صُوري هفسخ العقود بتاعتها. اطلعي من شقة مريم ورجليكي فوق رقبتك، وإلا هعملك قضية سرقة لـ مصوغات البيت!”

داليا كانت بتترعش ومش قادرة ترد، لكن نجلاء ما سكتتش، صرخت في التليفون: “سرقة إيه يا أبو سرقة؟ ده إنت اللي سارق عمر الحريم وناشف زي الحجر! الشقة اللي بتتكلم عليها دي باسم آدم بيع وشراء نهائي، والشركة دي مريم وداليا بكره الصبح هيكونوا في النيابة يوروك السرقات على حق!”

رامي قفل السكة وهو بيشتم.

داليا قعدت تبكي: “هيقفل شقة آدم؟ وهيضيع حقي؟ رامي واصل يا مريم وممكن يعمل أي حاجة.”

في اللحظة دي، تليفوني أنا رن، وكان المحامي “الأستاذ عصام”، صديق دكتور العيادة اللي بشتغل فيها. ردت عليه وشرحت له الموضوع باختصار، والراجل جاله ذهول من اللي سمعه، وقال بنبرة واثقة: “يا مدام مريم، الراجل ده بيلعب في الوقت الضايع وبيخوفكم. شقة الأستاذ آدم كونه عقد نهائي ومكتمل الأركان، ما يقدرش يمس قفلها، ولو عمل كده هتبقى جريمة غصب حيازة وقفل مسكن. أما المدام داليا، فليها مؤخر ونفقة متعة، وقصة الأسهم الصورية دي هنثبتها بالشهود وبحركة الحسابات البنكية. اجهزوا وقابلوني في مكتب الصبح.”

حسينا بروح من الأمل بتدخل الصالة. نجلاء قالت: “أنا هسوق بيكم، والنهارده يوم النصر التاني.”

لبسنا ونزلنا. وإحنا في الطريق لمكتب المحامي، عدينا من جنب المدرسة الكبيرة اللي كان فيها الحفلة إمبارح. بصيت عليها وافطرت شريط العمر كله وهو بيعدي قدام عيني.. تذكرت لما كنت بقف في الشمس أستنى آدم وهو صغير، وتذكرت طردة إمبارح.. وابتسمت لأن الحق ما بيموتش.

وصلنا مكتب الأستاذ عصام في مصر الجديدة، وأول ما دخلنا، قعد معنا وبدأ يكتب الطلبات ويرتب الورق. داليا كانت بتمليه كل قرش وكل ورقة رامي حاول يخبيها.

وفجأة، الباب بتاع المكتب اتفتح، ودخل آدم.. بس ما كانش لوحده.

كان معاه راجل وقور، شعره أبيض، ولابس بدلة فخمة جدًا، وباين على وشه الهيبة.

آدم دخل وعينه بتلمع، وقال: “ماما.. الأستاذ نبيل الشافعي، عميد كلية الهندسة في الجامعة اللي كنت فيها، وهو اللي كان مشرف على المنحة بتاعتي.. ولما شاف اللي حصل إمبارح والفيديو، وصمم يجي بنفسه.”

الدكتور نبيل قرب مني، وسلم عليا باحترام شديد وقال: “أهلاً بالست العظيمة اللي مصر كلها بتتكلم عنها وعن تربيتها إمبارح. يا مدام مريم، آدم مش بس الأول على الدفعة، آدم عبقرية في البرمجيات، والجامعة مش بس هتديه منحة، الجامعة قررت تعينه من الشهر الجاي مساعد باحث براتب محترم يعيشكم في أحسن مستوى.”

دموعي نزلت من الفرحة، وآدم قرب وحضن كتفي.

الدكتور نبيل التفت للمحامي وقال: “وأنا جاي هنا بصفتي القانونية كمان.. أنا مستشار مجلس إدارة الشركة اللي رامي عزت بيتعامل معها، وعايز أقولكم إن عقود رامي مع مجموعتنا مهددة بالفسخ بعد الفضيحة الأخلاقية دي، لأن شركتنا بتهتم بالسمعة. فلو رامي افتكر إنه يقدر يضغط على آدم أو الست داليا، عرفوه إن كارت حرق أعماله في السوق بقا في إيدنا إحنا.”

داليا رفعت راسها وذهولها كان أكبر من الصدمة، ورامي اللي كان فاكر نفسه إمبراطور ملوش ممسك، بقا محاصر من كل ناحية: من ابنه اللي تبرأ من اسمه، ومن طليقته اللي حماها، ومن السوق اللي بياكل عيش منه.

المحامي ابتسم وكتب آخر سطر في العريضة وبص لرامي في الفراغ وقال: “كده القضية كملت.. واللعب بقا على المكشوف يا رامي بيه.”

خرجنا من المكتب وإحنا حاسين إن الأرض شيلانا، بس تليفون آدم رن تاني.. المرة دي كان رقم رامي، بس النبرة ما كانتش فحيح.. كانت نبرة واحد بيغرق وبيستنجد.
آدم بص للشاشة، وبعدين بصلي وبص للدكتور نبيل والمحامي، وفتح الاسبيكر من غير ما ينطق بحرف واحد.

صوت رامي كان طالع مخنوق، مكسور، والغطرسة اللي كانت فيه من كام ساعة اختفت تمامًا.

“آدم… اسمعني يا ابني. إحنا دم واحد، ماينفعش اللي بيحصل ده. رئيس مجلس إدارة المجموعة كلمني من شوية وقال لي إن العقود الجديدة وقفت، وإن اسمي بيتشال من مناقصة التجمع بسبب الفيديو اللي اتقال فيه إن ابني اتبرأ من اسمي. يا آدم دي خراب بيوت ليا وليك، ما هو نجاحي ده هو اللي كان هيأمن مستقبلك!”

آدم رد بصوت هادي، بس أشد من الكرباج:

“مستقبلي اتأمن خلاص يا رامي بيه، بس بتعبي وبتعب أمي وبمنحة الجامعة اللي مجهودي جابها، مش بفلوسك ولا بمظاهرك الكدابة. وإنت مبقاش ليك عندي أي كلام.”

رامي صرخ بنبرة رجاء: “طب خلّي أمك ترد عليا.. يا مريم! عشان خاطر الـ ١٨ سنة اللي عشناهم، قولي للواد يلم الموضوع، وأنا مستعد أكتب له الشقة نهائي ومحدش هيقرب لها، وداليا ترجع بيتها ومعززة مكرمة بس نطلع نعمل بيان إن كل ده كان سوء تفاهم.”

أخدت التليفون من إيد آدم، وبصيت لداليا اللي كانت واقفة ومربطة إيدها ومستنية ردي.

قلتله: “يا رامي، الـ ١٨ سنة اللي بتتكلم عنهم دول أنا عشتهم لوحدي وأنا بخيط هدوم للناس وريحة المطهرات في إيدي، إنت عشتهم بتدور على نفسك في مكان تاني. وشقة آدم هي بتاعته بقوة القانون مش بمنّ منك، وداليا مش هترجع لك لأنها خلاص عرفت إنك بتبيع أقرب الناس ليك عشان كرسيك ومنظرتك. إنت اللي عملت الفضيحة لنفسك يوم ما طردتني ورا، واللي بيزرع قسوة يا رامي… بيحصد خراب. سلام.”

وقفلت السكة في وشه وعملت بلوك نهائي.

الدكتور نبيل ابتسم وطبطب على كتف آدم: “عفارم عليكم.. بكره يا باشمهندس آدم مستنيك في مكتب العميد الساعة تسعة الصبح عشان تمضي عقود التعيين وتستلم جدولك. ومدام مريم… إنتي المفروض يتعمل لك حفل تكريم في الجامعة كأموية مثالية للعام ده.”

شكرته من كل قلبي، وودعنا الدكتور والمحامي ونزلنا.

وإحنا راجعين في العربية، داليا كانت بتبص من الشباك ودموعها نازلة بس المرة دي كانت دموع راحة، بصت لي وقالت: “أنا عمري ما شفت ست زيك يا مريم. أنا لو مكانك كنت شمتّ فيا وسبتيني في الشارع.”

قلت لها وأنا ماسكة إيدها: “يا داليا، الدنيا دي دوارة، ويوم ليك ويوم عليك. والمهم الواحد لما يقف على رجليه ما يدوسش على حد. إنتي من النهارده أختنا، لحد ما تاخدي كل حقوقك وتبدأي حياتك من جديد برأس مرفوعة.”

نجلاء شغلت كاسيت العربية على أغنية مبهجة، وقالت وهي بتسوق: “بقولكم إيه.. رامي عزت وبقى ماضي، والجامعة وبقت في الجيب، إحنا نعدي على محل حلواني كبير، نجيب تورتة تليق بالباشمهندس آدم ونروح نحتفل في شقتنا، ومن بكره نجهز لنقل العفش لشقة التجمع الكبيرة اللي آدم هيعيشنا فيها.”

آدم لف دراعه حوالين كتفي وهو قاعد ورا في العربية، وقال: “الشقة دي هتبقى جنة يا أمي، ومفيش مخلوق هيقدر يدخلها ولا يعلي صوته عليكي فيها تاني.”

وصلنا منطقتنا في مدينة نصر، ولما نزلنا من العربية، جيراننا في الشارع، البقال والمكوجي وأم محمد جارتنا، كلهم كانوا واقفين يسقفوا لآدم ولما شافونا زغرطوا وهنونا. المنطقة كلها كانت حاسة بانتصارنا، كأن آدم ابنهم كلهم.

طلعنا السلم وإحنا بنضحك، وفتحت باب الشقة البسيطة وأنا حاسة إن الحيطان نفسها بتتبسم لنا. حطينا التورتة على السفرة، وآدم راح وقف قدام الشهادة وقبعة التخرج الزرقا اللي فوق التلفزيون.

بص لي وقال: “ماما… تفتكري رامي هيسكت بعد ما قفلنا في وشه كل الأبواب؟”

بصيت لآدم وقلت له بعيون قوية: “يسكت أو ما يسكتش يا آدم.. إحنا مبقاش في حاجة تخوفنا. اللي بنى الساس يستحمل الهدد، وإحنا ساسنا قوي بأصلنا وتعبنا.”

لكن وإحنا بنقطع التورتة، جرس الباب رن تاني، ونجلاء لما بصت من العين السحرية، لفت وشها لينا وهي مبرقة عينيها من الصدمة وقالت: “مريم… دي الست الكبيرة.. أم رامي!”

أمي وأم رامي… الست “صفية”.

الست اللي عمري ما شفت منها كلمة طيبة طول سنين جوازي من ابنها، الست اللي كانت دايمًا تبصلي من فوق لتحت وكأنني حتة خادمة دخلت عيلتهم بالغلط. كانت واقفة ورا الباب، وبمجرد ما نجلاء فتحت، دخلت وهي ساندة على عصايتها الأبنوس الفخمة، ولابسة عبايتها السوداء الحرير اللي بتجر وراها.

ملامحها ما كانش فيها الكبرياء بتاع زمان، كان فيها نظرة انكسار، النظرة اللي بتيجي للأمهات لما يحسوا إن ولادهم ضيعوا نفسهم وضيعوا اسم العيلة في الأرض.

أول ما دخلت، عيونها جت في عيون داليا اللي كانت قاعدة، وبعدين بصت لآدم اللي وقف بطوله كأنه جبل، ومسك إيدي بقوة.

الست صفية قعدت على أول كرسي قابلها من التعب، واتنهدت تنهيدة طويلة طلعت من ضلوعها، وقالت بصوت مهدود:

“أنا جيتلك يا مريم… وجيت لآدم.”

نجلاء وقفت ومربعة إيدها وقالت بنبرة حادة:

“أهلاً يا طنط صفية. خير؟ جايين تكملوا حفلة إمبارح؟ ولا جايين تطردونا من شقتنا هنا كمان؟”

الست صفية رفعت إيدها بالراحة لنجلاء عشان تسكتها، وبصتلي أنا وقالت:

“أنا ماليش عين أتكلم يا مريم. ورامي ابني غلط، وغلط غلطة عمره اللي مش هيقوم منها. إمبارح بالليل لما عرفت باللي حصل في الحفلة، وضغطي عليّ ونقلوني المستشفى، رامي جالي وهو بيعيط زي العيل الصغير. الراجل اللي كنتوا فاكرينه إمبراطور، مهدد بالحبس يا مريم.”

كلنا انتبهنا، وآدم قرب خطوة وعقد حواجبه: “حبس إيه؟”

الست صفية بصت لآدم ودموعها نزلت:

“يا آدم يا ابني… أبوك من كتر جشعه والمظاهر اللي كان عايش فيها، كان بيمضي على شيكات ووصولات أمانة للمجموعة الاستثمارية الكبيرة اللي بيتعامل معاها عشان يدخل المناقصة الجديدة. الدكتور نبيل الشافعي لما وقف التعامل معاه بناءً على كلامك إمبارح، الشركة طالبت رامي بسداد الشيكات فورًا، وقيمتها ملايين. رامي ملوش سيولة، كل فلوسه في عقارات وأراضي مش عارف يبيعها. بكره الصبح لو الشيكات دي ما اتسددتش أو الدكتور نبيل ما وافقش على مهلة، أبوك هيترمي في السجن بتهمة النصب وتبديد أموال الشركات.”

داليا حطت إيدها على بقها من الصدمة، ونجلاء همست: “سبحان المذل المعز… يوم ليك ويوم عليك يا رامي.”

الست صفية اتجهت ليا، ومسكت إيدي، الست الكبيرة اللي كانت بتبصلي بقرف، كانت بتبوس إيدي دلوقتي وهي بتعيط:

“عشان خاطر ربنا يا مريم… أنا عارفة إني قسيت عليكي، وعارفة إن ابني داس على قلبك وسابك في عز تعبك. بس رامي لو اتسجن، اسم العيلة كله هيتمسح، وآدم ابنك نفسه هيتأذي لما يتقال إن أبوه مسجون. كلمي الدكتور نبيل يا مريم… خليه يدي رامي مهلة يبيع أرض ويسدد، وباسمي أنا… الشقة اللي في التجمع هتنازل لآدم عن نصيبي في الأرض اللي تحتها، وهكتب ل داليا كل مؤخرها ونفقتها كاش من مجوهراتي أنا، بس رامي ما يدخلش السجن.”

الصالة بقت هادية لدرجة إننا كنا سامعين صوت أنفاس بعض.

بصيت لآدم. كان واقف وعيونه مليانة صراع رهيب؛ صراع بين الغضب السنين اللي فاتت اللي جواه من أبوه اللي باعه، وبين نخوة الراجل اللي جواه اللي مش قادر يشوف جدته الكبيرة وهي مكسورة وبتترجاه.

داليا بصتلي وقالت بصوت واطي: “مريم… أنا مش عايزة رامي يتسجن، أنا كنت عايزة حقي بس. السجن خراب وشماتة للكل.”

نجلاء بصتلي وقالت: “القرار ليكي يا مريم… وليك يا آدم. إنتوا اللي دوقوا المر.”

أخدت نفس طويل، ورفعت راس الست صفية من على إيدي وقلت لها بصوت هادي وراسي:

“يا طنط صفية… إحنا عيلة السيوفي، وعمرنا ما كنا بتوع انتقام. إحنا بناخد حقنا بالحق والأصول. رامي غلط في حقنا كلنا، والقرش الحرام والمظاهر الكدابة هي اللي ودته في داهية. بس عشان خاطرك إنتي، وعشان دموعك دي… أنا مش هقبل إن أبو ابني يتسجن.”

التفتت لآدم وقلتله: “آدم… كلم الدكتور نبيل. اطلب منه كرجاء شخصي من الطالب الأول بتاعه، إنه يدي رامي مهلة شهر واحد يبيع أراضيه ويسدد ديونه للمجموعة، من غير قضايا ومن غير سجن.”

آدم بص في عيني كام ثانية، شاف فيهم كل الطيبة والنظافة اللي ربيته عليها، شاف إن القوة الحقيقية هي العفو عند المقدرة. هزه رأسه وقال: “حاضر يا أمي… عشان خاطرك إنتي بس.”

آدم مسك التليفون وخرج في البلكونة يكلم الدكتور نبيل الشافعي.

الست صفية قعدت تدعيلي وهي بتبكي وتضم فيا، وداليا كانت بتبصلي بنظرات ذهول وإجلال كأنها شايفاني ملاك مش بشر.

آدم دخل بعد دقائق وقال: “الدكتور نبيل وافق عشان خاطري، وهيدي رامي مهلة شهر للسداد، بس بشرط… رامي يوقع على التنازل النهائي عن شقة التجمع بكره الصبح في الشهر العقاري، ويوقع على شيك بمؤخر داليا ونفقتها.”

الست صفية قامت وهي بتسند على عصايتها وقالت: “موافق… وميت موافق. بكره الصبح كل حاجة هتخلص يا ابني. كتر خيرك يا مريم… إنتي طلعتي ست بمليون راجل.”

خرجت الست صفية، وقفلنا الباب وراها.

داليا قربت مني وحضنتني وهي بتعيط وتقول: “شكراً يا مريم… شكراً إنك أنقذتينا كلنا.”

بصيت لآدم ونجلاء وابتسمت. المعركة خلاص بتخلص، والحق رجع لأصحابه من غير ما نلوث إيدينا بظلم أو شماتة.

لكن وإحنا بنستعد للنوم بعد اليوم الطويل ده، آدم جاله إيميل على تليفونه من إدارة الجامعة الأمريكية… إيميل خلى عيونه تبرق، ووشه يتغير تمامًا، وبصلي وقال بنبرة مليانة مفاجأة: “ماما… إنتي مش هتصدقي الإيميل ده جواه إيه!”

قربت من آدم وأنا قلبي بيدق بسرعة من اللهفة، ونجلاء وداليا وقفوا جنبه وهما مبرقين عينيهم مستنيين يسمعوا.

آدم كان بيبص للشاشة وهو مش مصدق، وصوته كان بيرعش وهو بيقرأ الكلام المكتوب:

“ماما… الإيميل ده مش بس بخصوص تعييني في الجامعة هنا في مصر. ده خطاب رسمي من جامعة ‘ستانفورد’ في أمريكا… بعتين شراكة وتوأمة مع الجامعة الأمريكية، ومختارين الطالب الأول على الدفعة اللي هو أنا، عشان أسافر منحة دكتوراه كاملة مدفوعة التكاليف والمصاريف، وهناك هشتغل في معمل أبحاث الذكاء الاصطناعي براتب شهري يبدأ من الشهر الجاي!”

الصالة اتقلبت زغاريط وصريخ من الفرحة. نجلاء بقت تنط وتصقف، وداليا كانت بتضحك من قلبها وبتوجّه لآدم التهنئة، وأنا… أنا لقيت نفسي بنزل على الأرض ساجدة سجدة شكر لله، ودموعي بتغرق السجادة.

آدم نزل على ركبه جنبي، وحضنّي بقوة وهو بيدفن رأسه في كتفي وبيقول:

“المفاجأة الأكبر يا أمي… إن المنحة بتشمل إقامة كاملة لمرافق من الدرجة الأولى. يعني إنتي مسافرة معايا يا مريم يا سيوفية. مش هسيبك ثانية واحدة هنا، وهناك هخليكي تشوفي الدنيا وتعيشي في المكان اللي يليق بيكي.”

رفعت رأسي وبصيت في عيونه اللي بقت عيون راجل بجد، راجل حقق وعده للطفل اللي ساب ورقة على المخدة زمان ومكتوب فيها: *”ماما… ماتعيطيش. لما أكبر هخليكي ترتاحي.”*

قلتله وصوتي مخنوق بالفرحة: “أنا راحت الدينا كلها عندي يا آدم وأنا شايفك بالمنظر ده. ربنا يرضى عنك ويفتحها عليك.”

في اليوم التالي الصبح، كانت الحركة سريعة والخطوات واثقة.

بدأنا بتنفيذ الشروط؛ رامي جه الشهر العقاري وهو زي الضِل، وشه شاحب، وعينه ما جتش في عين حد فينا. وقع على التنازل النهائي لآدم عن شقة التجمع، ومضى على شيكات مستحقات داليا كاملة وهو ساكت، كأنه بيمضي على وثيقة نهاية غروره وكبريائه.

داليا استلمت ورقها وشيكاتها، وبصتلي بامتنان حقيقي وقالت: “أنا هبدأ حياتي من جديد يا مريم، وهفتح مشروعي الخاص اللي كنت بحلم بيه، وعمري ما هنسى إنك الست اللي أنقذتني في الوقت اللي الكل رماني فيه.” ودعناها وإحنا بنتمنى لها كل خير.

أما شقة التجمع الفخمة… فإحنا ما سكنّاش فيها.

آدم قرر يبيعها فورًا وبأعلى سعر، وبالفلوس دي اشترى بيت دافي وجميل في مكان هادي، وحط الباقي في حساب بنكي باسمي عشان يأمن حياتي تمامًا.

وبعد شهرين من اليوم ده…

كنا واقفين في صالة المغادرة بمطار القاهرة الدولي.

نجلاء كانت واقفة وماسكة فيا وبتعيط طبعًا كالعادة، وبتقول: “أهو ده بقى عياط الفضايح بجد.. هتوحشيني يا مريم، البيت من غيرك هيبقى ضلمة.”

حضنتها وقلت لها: “يا هبلة كلها كام شهر وتيجي تزورينا، وإنتي اللي هتجهزيلي حاجتي من هنا.”

آدم كان واقف لابس لبسه الكاجوال، شايل الشنط، ورافع راسه لفوق، وعينه بتلمع بالأمل والمستقبل اللي مستنيه في بلاد بره.

بصيت لروحي في مراية المطار الكبيرة.

ما كنتش لابس الفستان الأزرق البسيط بتاع يوم التخرج، كنت لابة طقم جديد راقي، ووشي منور، ومفيش في عيني أي أثر للتعب أو الخوف من بكرة.

آدم قرب مني، مسك إيدي اليمين، ورفعها وباسها قدام كل الناس في المطار، وقال بابتسامته الصافية:

“يلا بينا يا أم البطل؟ طيارتنا هتطلع.”

ابتسمت من كل قلبي، ودرت ضهري لكل سنين الوجع، ومشينا خطوة بخطوة للمستقبل الجديد، وأنا عارفة ومتأكدة إن اللي يزرع بالدموع والتعب والأصول… لازم يحصد بالنور والكرامة والرفعة.

**تمت.**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *