طليقتي

ولما كانت بتتعب وتجيلها نزلة برد من البرد وقلة التغذية، كنت أسمع صوت كحتها اللي تقطع القلب في سكون الليل.. وبدل ما أصعب عليا، كنت أنزل تاني يوم مخصوص وأركب عربيتي وأقف تحت عمارتها وأنا بضحك في الموبايل وأحكي لواحد صاحبي بصوت عالي إني حاجز لمراتي الجديدة رحلة لأحسن مكان عشان “تغير جو”، وأسيبها هي بمرضها ووجعها تصارع المو.ت بالبطيء من غير ما تلاقي حتى تمن الدوا.والأصعب من الفقر والمرض كان كسر الخاطر اللي ملوش دوا..في ليلة من الليالي، كان الجو متلج، والساعة داخلة على اتنين بالليل، سمعت خبط واطي ومتردد على باب شقتي. فتحت الباب، لقيتها واقفة قدامي، شفايفها زرقا من السقعة، ولابسة عبايتها الخفيفة اللي دابت من كتر الغسيل، وإيديها بتترعش بشكل يوجع القلب.
بصت في الأرض ومقدرتش ترفع عينها في عيني، وقالت بصوت متبهدل ومبحوح ومخنوق بالدموع: “أبوس إيدك.. إديني أي مسكن أو تمن شريط دوا للصداع والبرد، السطوح بينقط مية على فرشتي وجسمي كله بيوجعني ومش قادرة أقف على رجلي”.وقفت أتملى فيها ببرود وشماتة مفيهاش ذرة رحمة. ندهت على مراتي الجديدة، وطلبت منها تجيبلي علبة المناديل، وطلعت قدامها رزمة فلوس من جيبي، وبدل ما أديها جنيه واحد، رميت في وشها منديل ورق وقولتلها باستهزاء وابتسامة خبيثة: “امسحي دموعك دي.
. أنا مش فاتح الشقة دي جمعية خيرية للشحاتين، الفلوس دي معمولة لست البيت اللي تصوني وتعيش في عز، مش لواحدة رمتها في الشارع ورضيت تقعد في عشة فراخ فوق السطوح”.قفلت الباب في وشها بكل قوتي عشان يترزع، وفضلت واقف ورا الباب أسمع صوت شهقاتها وهي بتبكي بصوت عالي ومنهار على بسطة السلم، صوت وجع واحدة حست إن الدنيا كلها داست على كرامتها ومبقاش ليها حامي ولا سند.
نزلت تتسحب على السلم وهي بتسند على الحيطة من كتر الضعف والهوان، وكل خطوة كانت بتنزلها كانت بتسيب وراها حسرة تحرق الحجر.تاني يوم الصبح، نزلت مخصوص ووقفت تحت العمارة، وشوفتها نازلة رايحة شغلها بالعافية، عيونها وارمة من كتر البكا، ووشها باهت زي الأموات، وجسمها بينتفض من السخونية. كنت بمر من جنبها بريحة عطري الغالي، وأضحك في التليفون بصوت مسموع وأنا بقول: “حبيبتي مجهزالك مفاجأة النهاردة.. هنسافر نتفسح ونغير جو، أنتي تأمري بس وأنا أنفذ”.كانت بتسمع الكلام وتغمض عينها بوجع وقهر كأن سكينة بتغرس في صدرها، وتمشي مطاطية راسها تداري دموعها اللي بتنزل غصب عنها وسط الشارع، شايفة بأم عينيها إن الراجل اللي استخسر فيها شريط مسكن، بيغرق غيرها بالدهب والدلع.



