طليقتي

عدى اليوم ده، ورجعت من بره في معادي المعتاد، أول حاجة عملتها إني دخلت البلكونة عشان أستنى مشهد رجوعها المكسور زي كل يوم، وأشوفها وهي طالعة السلم بتسند على الحيطة من التعب والوجع.الساعة دقت سبعة.. تمانية.. تسعة.. والشارع هدي خالص، وباب أوضتها اللي فوق السطوح مقفول، والشباك مضلم مفيش وراه أي حس ولا حركة.في الأول قولت لنفسي تلاقيها نايمة من التعب والسخونية جوة ومش قادرة تولع النور، بس لما جت الساعة اتنين بالليل ونزلت سألت البواب بطريقة غير مباشرة عن حركة العمارة، قال لي ببرود: “الست اللي ساكنة فوق السطوح منزلتش من بعد الضهر ومحدش شافها رجعت خالص يا بيه”.

الليلة دي معرفتش أنام، فضلت رايح جاي في الصالة وعيني على شباكها المضلم، إحساس غريب بدأ ينهش في صدري.. مش خوف عليها، لأ، ده غيظ وقلق إنها تفلت من تحت إيدي ومن دايرة العذاب اللي رسمتهالها.عدى اليوم التاني.. والتالت.. ورابع يوم جه وهي فص ملح وداب.أوضة السطوح مقفولة بقفلها القديم من برة، هدومها البسيطة المغسولة متعلقة على الحبل ونشفت وسفت عليها تراب الشارع، مفيش أي أثر ليها. عقلي كان هيطير، أسئلة جهنمية عمالة تضرب في نافوخي ومبتسكتش: راحت فين؟

سابت الشغل ولا طردوها؟ طب راحت لمين وهي ملهاش حد في الدنيا يسندها ولا يقف جنبها؟ هل لقت حد يساعدها؟ هل ماتت في الشارع من التعب والمرض وأنا معرفش؟الجنون الحقيقي كان في فكرة إنها مبقتش قدام عيني.. مبقتش شايف ذلها وانكسارها، مبقتش قادر أستعرض قدامها بمراتي وفلوسي. النار اللي كنت بوجعها بيها، حسيت فجأة إنها ارتدت في صدري أنا.. بقيت واقف في بلكونتي ليل ونهار زي المجنون، باصص على شباك مقفول وضلمة، مش عارف هي فين، ولا بتعمل إيه، ولا إزاي اختفت بالشكل ده من غير ما تسيب وراها حتى دمعة واحدة أتشمت فيها.

أمانى السيد

مر شهر كامل.. تلاتين يوم عدوا عليا كأنهم تلاتين سنة من العذاب والحيرة اللي بتاكل في نفوخي أكل.الأوضة اللي فوق السطوح فضلت مقفولة، وتراب الشارع غطى كل حاجة فيها، ومبقاش لشيرين أي حس ولا أثر في المنطقة كلها. أنا أحمد.. اللي كنت شايف نفسي مسيطر ومالك كل خيوط اللعبة، اتحولت لإنسان تاني تماماً؛ بقيت زي المجنون، ألف بعربيتي بالساعات في الشوارع، عيني مابتنزلش من على وشوش الناس في المحطات والأسواق، وبقيت أدخل المستشفيات الحكومية والأقسام أدور في الدفاتر وأسأل بنهدة وريقي ناشف: “في حالة دخلت باسم شيرين؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *