سلفتي

رديت عليه بمنتهى القوة والجمود:
– “مش هطبخ.”
سبتهم ودخلت أوضتي، وسمعت طارق بره بيقول بثقة إبليس:
#الكاتب_رومانى_مكرم_
– “سيبوها.. أهلها ماتوا وملهاش ضهر، يومين وتجي تترجانا.”
سحبت التليفون، وطلبت الرقم اللي كنت خايفة أطلبه من زمان، وقولت بصوت هز جدران الأوضة:
– “تعالوا الصبح بدري بالأوراق.. أنا وافقت على بيع نصيبي في الورث، وراجعة أستلم كل حاجة بنفسي!”
قفلت الخط وأنا عارفة إن الصبح، اللعبة كلها هتتقلب فوق دماغهم، وهيعرفوا مين اللي ملوش ضهر!
صوت غلق الخط كان بمثابة إعلان حرب، والهدوء الذي حلّ داخل الغرفة لم يكن استسلامًا، بل الهدوء الذي يسبق العاصفة. جلسات الخذلان الخمس سنوات تلاشت في لحظة، وحلّ محلها ينبوع من القوة الجافة التي لا ترحم.
خارج الغرفة، كانت أصوات ضحكاتهم المستفزة تصل إليّ عبر الباب المغلق. شيرين تتحدث عن شياكة عزومة الغد، ومريم تخطط لما ستلبسه، وطارق يردد بيقين أعمى: “بكرة تصحى الصبح بدري، تغسل المواعين وتجهز الأكل زي الجزمة.. هي تطول تعيش في عزنا؟”
لم يعلموا أن “عزهم” الذي يتغنون به، كان قائمًا على اقتطاع جزء من شغفي وصبري، وأن الظهر الذي ظنوا أنه انكسر بموت أبي، كان يستند إلى شرف وحق لا يمكن لسارق أن يغتصبه.
مع أول شعاع لفجر اليوم التالي، خرجت من الغرفة. كان البيت يلفه السكون، والدمار الذي خلفوه على السفرة ما زال شاهدًا على القسوة والوضاعة. لم ألمس طبقًا، ولم أنظف شوكة. بدلاً من ذلك، ارتديت أفضل ما لديّ، عباءة سوداء أنيقة وحجابًا مرتّبًا، وجلست في الصالة أنتظر.
في تمام الساعة الثامنة صباحًا، انطلق جرس الباب بقوة واستمرار، نغمة لم يعتد عليها هذا البيت الهادئ.
استيقظ طارق فزعًا، يرتدي جلبابه وهو يصيح بغضب: “مين الغبي اللي بيخبط السبت الصبح كده؟”
خرجت شيرين من غرفتها بقميص نومها وهي تتثاءب وتتحطم، ومريم تفرك عينيها بضيق.
فتح طارق الباب وهو يستعد للشتيمة، لكن الكلمات تجمدت في حلقه.
كان يقف على الباب ثلاثة رجال ببدل رسمية داكنة، يتقدمهم رجل خمسيني بملامح حادة ونظارات طبية، يحمل في يده حقيبة جلدية فاخرة، وخلفه اثنان من المحامين وأحد رجال الحراسة.
رد الرجل بنبرة عملية حاسمة: “أستاذ طارق؟ أنا الأستاذ فتحي المحامي، وكيلا عن السيدة/ نورهان.. إحنا جايين ننفذ إجراءات بيع وحصر التركة ونستلم الأصول.”
