سلفتي

نظر إليّ طارق بعينين ميتتين، يتوسل بقايا الرحمة في قلبي:

– “نورهان.. أبويا بيموت، الحسابات مقفولة وما حيلتيش ولا مليم سائل أدفعه للمستشفى.. كفالة أبويا في إيدك.”

أخرجت دفتر شيكاتي الخاص من حقيبتي، وكتبت الشيك بالقيمة المطلوبة للعملية، ثم نظرته في عينيه وقدمت الشيك له بشرط واحد هز كيانه:

– “الشيك ده مقابل تنازلك النهائيات عن باقي حصتك في الشقة والعمارة.. تتنازل وتخرج بره حياتي بلباسك اللي عليك، ساعتها بس أبوك يدخل العمليات!”

سقطت ورقة الشيك من يد طارق لثوانٍ قبل أن يلقفها بأصابع ترتجف، ينظر بين الرقم المكتوب وبين نبرة صوتي التي لم تدع له منفذًا للمناورة. كانت ملامحه تختزل كل صور الانكسار والمهانة؛ الفتى الذي كان بالأمس يتطاول ويتبجح بإتيكيت عائلته الموهوم، يقف اليوم مسلوب الإرادة، يساوم على أنفاس أبيه بثمن غروره ورعايته الزائفة.

رفع عينيه الممتلئتين بالدموع، وصوته يخرج بحشرجة مكتومة:

– “التنازل عن كل حاجة يا نورهان؟ عايزة تجرديني من كل حيلة وتخرجيني ملط في الشارع؟”

اقتربت منه خطوة واحدة، ونظرت في عينيه بجمود أصلب من الفولاذ:

– “أنا ما جردتكش من حاجة يا طارق.. إنت اللي بعت كل حاجة يوم ما وطيّت راسك لقلة أدب مراتك، ويوم ما استخصرت فيا طبق فراخ بلدي يفكرني بأبويا، ويوم ما سرقت حق عرق أبويا وجريت تسجل أرباحي مصاريف وهمية. الشيك ده إنقاذ لحياة أبوك اللي طمعك وطمع مراتك كان هيقتلوه.. قدامك دقيقة واحدة: تقبل وتوقع التنازل الفوري قدام المحامي اللي واقف ورايا، يا ترجع تنازع على المليم وتتحمل نتيجة طمعك!”

التفت طارق ليجد الأستاذ فتحي يتقدم وبيده عقد التنازل النهائي المجهز مسبقًا، وبجانبه موثق من الشهر العقاري كان يتتبع خطواتنا لحسم الأمور.

نظر طارق إلى باب غرفة العناية المركزة، حيث وصايا الأطباء بالسرعة تلاحقه، ثم التفت إليّ وهو يبكي بحرقة وذل لم أرهما في حياتي. أخذ القلم بيد ترتعش، ووقّع على جميع الأوراق، بائعًا ما تبقى له من حصة في العمارة والشقة لينهي وجوده تمامًا في أملاك العائلة التي طالما تباهى بها.

سحبت العقود الموقعة، وأعطيت الشيك للمستشفى مباشرة لتأمين عملية الحاج عبد الجواد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *