سلفتي

لم أندهش، بل ابتسمت بمرارة وأنا أوقع على تفويض الجرد الجنائي:
– “كنت عارضة عليه الفضل، واختار هو الغدر.. كملوا الإجراءات القانونية للآخر يا أستاذ إسماعيل.”
في المساء، كان بيت طارق يتحول إلى ساحة حرب.
أحد المحامين التابعين لي نقل لي ما يحدث هناك؛ أعمام طارق تجمهروا في شقة والده، والجميع يلوم طارق وزوجته شيرين. الحاج عبد الجواد، والد طارق، طرد شيرين إلى بيت أهلها في منتصف الليل بعدما علم أنها كانت السبب المباشر في تشجيع طارق على إهانتي وإلقاء طعامي، ومريم حبست نفسها في الغرفة تصرخ بعد أن أرسل لها خطيبها رسالة قصيرة ينهي فيها الخطبة بسبب “الغموض والفضائح المالية والأمنية التي شهدها على باب العمارة”.
في الساعة الثانية صباحًا، بدأ هاتفي يرن بلا توقف.
عشرات المكالمات من طارق، ثم رسائل تتوسل وتتوسل:
“نورهان.. افتحي أرجوكِ، أنا بره الكافيه اللي جواه مكتبك، والله العظيم كنت أعمى.. شيرين أصل البلاء وطردتها عند أهلها، ومريم خطوبتها اتفسخت، وأبويا جاله أزمة قلبية ونقلوه المستشفى.. ارجعيلي وما تضيعيش العيلة!”
نظرت إلى الشاشة بجمود، ثم أغلقت الهاتف تمامًا.
مع حلول الصباح، كنت أقف أمام باب المستشفى العام حيث يرقد الحاج عبد الجواد. لم أكن قاسية للحد الذي يمنعني من عيادة رجل مسن كان صاحب أبي، لكنني لم أعد تلك المرأة الضعيفة التي تُستغل.
عند باب الغرفة، كان طارق يجلس على الأرض، وجهه شاحب، وعيناه غائرتان، وثيابه مجعدة ومجردة من كل مظاهر التأنق والتكبر.
بمجرد أن رآني، قفز من مكانه وارتمى عند قدمي أمام الأطباء والممرضين:
– “نورهان! سامحيني.. أرجوكِ انقذينا، الشمع الأحمر اتعلق على الشركة والبنك جمد الحسابات، والمحامي قال إن في بلاغ للنيابة بتهمة التبديد واختلاس أموال الشراكة! أقسم بالله مستعد أكتبلك كل حاجة باسمك، بس ما تحبسنيش!”
نظرت إليه من الأعلى، خالية تمامًا من أي مشاعر، ورفعت رأسي بثبات:
– “استنظف كلامك يا طارق.. مش أنا اللي أحبسك، أفعالك وإيدك اللي اتمدت على حق غيرك هي اللي بتحبسك. زي ما هان عليك كبريائي وأكلي وذكرى أبويا، هان عليك شرفك المالي.”
خرج الطبيب في تلك اللحظة ليبلغهم بأن حالة الحاج عبد الجواد استقرت، لكنه يحتاج لعملية عاجلة تكاليفها باهظة في مستشفى خاص، والحسابات البنكية الخاصة بالعائلة جميعها متوقفة بقرار النيابة تحفظيًا!
