سلفتي

وقفت شيماء أمام القاضي، وبلعت ريقها، ثم قالت بصوت واضح هز جنبات القاعة: “أنا يا سيادة القاضي ما ظلمتش حد، ولا اعتديت على حد. أنا دخلت البيت ده يتيمة، وأخلصت لهم وخدمتهم بعيني، بس هم استضعفوني عشان ماليش سند. أنا متمسكة بحقي كاملاً، مش عشان الفلوس، لكن عشان يعلموا إن اليتيم له رب يسند ويجيب له حقه لما البشر يظلموه.”

تأجلت النطق بالحكم للجلسة القادمة، لكن الجلسة كانت بمثابة ضربة قاضية لأحمد وحماتي. خرج أحمد من القاعة ووجهه شاحب كالموتى، بينما كانت حماتي تمتم بكلمات غير مفهومة من شدة الغيظ والذهول.

عند عودتنا إلى البيت، كانت تنتظرنا مفاجأة أخرى. كانت نادية قد استغلت غياب الجميع ونزلت إلى شقة شيماء مغلقة الأبواب، وحاولت فتحها بالقوة لضم بعض قطع الأثاث إلى شقتها، بحجة أن شيماء لن تعود وأن ابنها أولى بتلك الأغراض.

عندما علم أحمد بما فعلته نادية، اشتعلت بينهما مشادة كلامية حادة في منتصف الصالة. صرخ أحمد في وجهها: “انتِ اتجننتِ؟ القضايا شغالين علينا وأنتِ رايحة تفتحي الشقة وتعملي لنا مصيبة جديدة؟”

ردت نادية بصوت أعلى وأكثر قسوة: “أنا أعمل اللي أنا عايزاه! أنت فاكرني زي العبيطة اللي كانت هنا؟ لو مش عاجبك طلقني ووريني هتعمل إيه مع ابنك!”

وقفت حماتي تتفرج على الموقف وعيناها ممتلئتان بالندم والكسرة. لقد استبدلوا شيماء التي كانت تحمل الأذى بابتسامة وتطهو أشهى الطعام، بامرأة لا تراعي كبيراً ولا صغيراً وتستغل نقطة ضعفهم الوحيدة.

مرت الأيام ثقيلة، وبدأت الخلافات تأكل بيت العيلة من الداخل. أنا وسلفتي الثانية بدأنا نبتعد عن حماتي وأخت زوجي، خوفاً من أن يصيبنا جزء من الإهانة أو المشاكل التي أصبحت تطوق البيت. البيت الذي كان يجمعه الكبر والظلم، أصبح الآن مقسماً، يكره كل فرد فيه الآخر.

وفي صباح يوم الأحد، وردنا الاتصال المفصلي؛ أعلنت المحكمة حكمها النهائي في قضية شيماء.

وقع الخبر كالصاعقة؛ حكمت المحكمة لشيماء بالطلاق للضرر، مع إلزام أحمد بتأدية كافة حقوقها المالية من مؤخر صداق، ونفقة متعة، وتمكينها من كافة منقولاتها الزوجية المسجلة في القائمة. لم يكن الحكم مجرد قرار قانوني، بل كان شهادة رسمية أُثبت فيها أمام الجميع أن بيت العيلة الكبير كان سجنًا للظلم والقهر، وأن تلك السيدة اليتيمة خرجت منه منتصرة بالقانون والشرع.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *