سلفتي

سقطت دمعة حارقة من عين حماتي، دمعة ندم متأخرة لا تنفع صاحبها. التفتت إليّ وأنا أضع أمامه كوب الشاي، وقالت بصوت مكسور يرجف: “إحنا عملنا إيه في نفسنا يا بَنتي؟ إحنا خربنا بيتنا بأيدينا عشان نكسر واحدة مالهاش حد.. أهو ربنا جاب لها حقها وخلى الدار تسود في وشنا.”

لم أستطع الرد عليها. نظرت إلى الأرض وشعرت بخزي يأكل أعماقي. كانت تلك هي اللحظة التي أدركنا فيها جميعًا أن السحر قد سحر الساحر، وأن الحساب البشري قد انتهى، ليبدأ الحساب الإلهي الذي سيتكفل بدفع ثمن كل دمعة وكل قهر أذقناه لتلك اليتيمة.

مرت السنون، ولم تكن الأيام كفيلة برأب الصدع أو معالجة الشرخ الذي أحدثه الظلم في بيتنا. تحول “بيت العيلة” الكبير من رمز للهيبة واللمة إلى هيكل متهالك ممتلئ بالضغينة والندم.

نادية، التي ظن الجميع أنها السند والواجهة التي ستبيض الوجه، استمرت في إذاقة حماتي وأحمد ألواناً من الجحيم. لم تكتفِ بالسيطرة على الشقة، بل تحولت حياتهم معها إلى سلسلة لا تنتهي من المشاجرات اليومية والصراخ الذي يسير به القاصي والداني في الحارة. لم تراعِ كبر سن حماتي ولا مرضها، بل كانت تتعمد إهانتها أمام الجيران بالطريقة نفسها التي كنا نضحك بها قديماً على شيماء، وكأن العدالة الإلهية أبت إلا أن تجعل العقاب من جنس العمل وبنفس الأدوات.

أما أحمد، فقد انكسر ظهره تماماً؛ تراكمت عليه الديون، وفقد هيبته بين أقرانه، وأصبح يهرب من بيته ليقضي معظم وقته على القهاوي، فاراً من نكد نادية ومتطلباتها التي لا تنتهي. وفي أحد الأيام، جاءنا الخبر الذي أثلج صدور كل من عرف قصة شيماء؛ لقد تقدم لخطبتها رجل صالح، تاجر ميسور الحال ذو خلق ودين، عرف قصتها ورأى فيها الزوجة الأصيلة والمرباة، وجاء يطلب يدها من أخيها محمود مرفوع الرأس.

في يوم زفاف شيماء الجديد، كانت الحارة كلها تتحدث عن فرحها. خرجت كالأميرات من بيت أخيها، وحولها المحبون والجيران الذين شهدوا ألمها قديماً ويشهدون اليوم تكريم ربنا لها. في ذلك اليوم بالذات، كانت حماتي تجلس خلف الشباك المظلم، نفس الشباك الذي كانت شيماء تطل منه تبكي، تصب الدموع حارقة على ما اقترفته يداها، وتتمتم بصوت خافت مكسور: “سامحينا يا شيماء.. سامحينا يا ابنتي.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *