سلفتي

في اليوم التالي للحكم، وصلت قوة من الشرطة برفقة محضر المحكمة لتنفيذ حكم استلام المنقولات. تجمهر أهل الحارة الشعبي أمام الباب الكبير، يقفون في صمت يتخلله الهمس والتهكم. كانت الشاحنات الكبيرة تقف بالخارج بانتظار تحميل العفش.

نزلت شيماء مع أخيها محمود وبعض أقاربها. لم تتلفظ بكلمة واحدة مستفزة، ولم تظهر أي علامات الشماتة. كانت ترتدي ثوبها الأسود البسيط، وتقف بوقار تتابع عملية نقل أثاث شقتها. وعلى الجانب الآخر، كانت حماتي تقف على الدرج تتآكل من الداخل، وعيناها تفيضان بالغل العاجز، بينما اختبأ أحمد داخل شقة أمه يرفض الخروج ومواجهة أعين الناس التي كانت تلاحقه بنظرات الخزي.

عندما بدأ العمال بنقل غرفة النوم، خرجت نادية من شقتها وهي تحمل طفلها، وصيحت بصوت مستفز: “خذي عفشك القديم وشبعي بيه! البيت ده جاله الخير الحقيقي وما أظنش القش ده كان مالي عين حد!”

توقفت شيماء عن متابعة العمال، والتفتت إلى نادية بهدوء تام. النظر إلى نادية لم يكن فيه أي غضب، بل كانت نظرة شفقة عميقة، وقالت بنبرة هادئة أسمعت كل الواقفين: “الأثاث بيمشي ويجي غيره يا نادية.. بس الكرامة وراحة البال لو راحوا ما بيرجعوش. افتكري دايماً إن الدايرة بتدور، والظلم اللي بنيتي عليه فرحتك مش هيسيبك تعيشي مرتاحة.”

سكتت نادية ولم تجد كلمة واحدة ترد بها، بينما انسحبت حماتي إلى الداخل بخطوات واهية وكأنها كبرت عشر سنوات في لحظات.

بعد إتمام نقل كل المنقولات، وقفت شيماء عند باب الشارع الكبير، نفس الباب الذي دخلت منه قبل أربع سنوات بقلب خائف وفستان عروس بسيط. رفعت رأسها ونظرت إلى الشباك الذي طالما بكت خلفه وهي ترقب ضحكاتنا. أخذت نفسًا عميقًا مطولاً، وكأنها تطرد آخر ذرة من الهواء المسموم الذي تنفسته في هذا البيت، ثم استدارت ومشت بجوار أخيها دون أن تتلفت وراءها.
لم يعد هناك عدو مشترك نصلب عليه أحقادنا، فبدأنا نأكل بعضنا البعض. نادية، التي شعرت أن الشقة المجاورة أصبحت فارغة، طالبت فورًا بنقل أثاث جديد لها وتوسيع شقتها لتشمل جزءًا من شقة شيماء السابقة. وعندما رفض أحمد بسبب ضائقته المالية الخانقة بعد تسديد حقوق شيماء والمصاريف القضائية، اندلعت بينهما حرب لا ترحم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *