طلقت مراتي

الحاجة فاطمة كانت واقفة فوق في الصالة، صوت صريخها وعتابها جايب آخر الشارع: “بتسيب بيت أبوك يا حسن؟ بتهج من ح.ضن أمك عشان حتة بت؟ والله ما أنا مسامحاك!”الكلمة قطعت في قلب حسن، بس المرة دي الوجع مكانش فيه تردد. نزلوا الشارع، والدنيا كانت ليل، الهوا بارد بس حسن كان حاسس بنار قايدة في صدره. وداها الشقة القديمة اللي فوق المحل، شقة كانت مقفولة من سنين، ترابها مغطي المكان، بس بالنسبة لهند كانت الجنة.

حسن قعد على أول كرسي قابله، حط راسه بين إيديه وبدأ كأنه بيكلم نفسه: “أنا عقيت أمي يا هند؟ ربنا هيحاسبني؟ أنا أول مرة أكسر كلامها.. بس المرة اللي فاتت لما سمعت كلامها، عشت شهور بمو.ت بالبطيء. مكنتش قادر أظلمك انتي كمان.”هند مقربتش منه علطول، سابته يهدى. راحت المطبخ، وبطبيعتها اللي اتعودت على الشقا، لقت شوية حطب ووَلعت بوتاجاز صغير، وعملت كوبايتين شاي. رجعت وقعدت على الأرض قدامه، حطت الصينية وقالت بصوت زي النسمة: “البر مش إنك تسيب أمك تظلم يا حسن.

البر إنك تمنعها من الظلم عشان ربنا ما يحاسبهاش. انت ما عقيتش، انت حميت بيتك، وأمك بكرة تروق وتعرف إنك راجل وصاحب حق.”حسن رفع راسه، بص للمكان حواليه وبصلها: “الشقة تراب يا هند، وأنا جايبك بهدومك.. مفيش لقمة ناكلها.”هند ابتسمت، والضحكة لأول مرة تنور وشها كله: “التراب يتكنس في ساعة، واللقمة الحاف معاك بالدنيا. نام يا ولد عمي، والصباح رباح.”تاني يوم، المحلة كلها كانت بتتكلم. “حسن الجبالي ساب الدوار وقعد في شقة المحل”. الكلام وصل لـ “نهى” طليقته، ووصل لمرات أبو هند اللي كانت هتمو.ت من الغيظ إن البت المذلولة بقى ليها شقة باسمها وبقى جوزها بيقفل عليها باب لوحدها.

الحاجة فاطمة قاطعت حسن. مق.تلتش المحل، ومبقتش تنزل تشتري حاجة، وقالت لإخواته: “أخوكم مات بالنسبة لي لحد ما يجي يركع تحت رجلي ويطرد بت صابر.”حسن كان بيروح المحل من النجمة، يشتغل بقلب وعزم مكنش فيه من سنين. الشغل بدأ يرد فيه الروح، والزبائن رجعوا، وكل أسبوع كان يدخل الشقة شايل في إيده حاجة؛ مرة طقم كاسات، مرة قماش للستاير، ومرة حتة دهب صغيرة لهند.

هند كانت بتاخد الحاجة وتدعي له، وتعمل من الفسيخ شربات، الشقة بقت بتبرق، وريحة الخبيز والأكل البلدي بقت تملى السلم.مرت ست شهور.. وفي يوم، حسن راجع من المحل المغربية، لقى هند قاعدة ومستنياه، وشها أصفر شوية بس عينيها فيها لمعة غريبة.حسن اتخض وقرب منها: “مالك يا هند؟ تعبانة؟ نروح للحكيم؟”هند مسكت إيده وحطتها على بطنها، وقالت بصوت بيترعش من الفرحة: “الحكيم مش هيعملي حاجة يا حسن.. الحكيم قالي إن فيه جبالي صغير جاي في السكة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *