طلقت مراتي

لقت مرات أبوها واقفة في ركن الشارع، بتبص لها بحسد وغل، بس هند المرة دي مبصتلهاش بزعل.. بصتلها بشفقة.عرفت إن اللي بيصبر على جرحه ويرضى بنصيبه، ربنا بيبدله من بعد الخوف أمن، ومن بعد الضيق سعة. حسن طلع الشقة في وسط الهيصة، دخل البلكونة ووقف وراها، حط إيده على كتفها وبص في عينيها وقال: “بتفكري في إيه يا أم صابر؟”لفت وبصت له وعينها بتلمع بالفرحة: “بفكر في كرم ربنا يا حسن.. وبفكر إن الباب اللي اتقفل في وشي زمان، ربنا فتح لي مكانه جنة.
“حسن شدد على إيدها وقال: “انتي الجنة يا هند.. وانتي اللي عمرتي البيت.”وانتهت الحكاية والدوار ملى بالصوت والضحكة، والكل عرف إن البيوت مابتتبنيش بالمال والجاه، البيوت بتبنيها النفوس الطيبة والست الأصيلة اللي بتعرف تِصبر وتِصون. ومرت السنين، وصابر الصغير مابقاش صغير، بقى يدب في الأرض، والبيت اللي كان مقفول بالتراب بقى مليان بحسه ولعبه. حسن وسع تجارته، وبقى اسمه يتردد في السوق كله بالأمانة والشطارة، وكل ما كان يكسب قرش، كان يدخل البيت يحطه في حجر هند ويقولها: “ده مالك يا أم صابر، انتي قدم السعد عليا.
“وفي يوم، وهند قاعدة بتطرز جلباب صغير لصابر، لقت حسن داخل من برة، وشه مخطوف وفيه علامة استفهام كبيرة. قعد جمبها وهز راسه وقالي بصوت واطي: “سبحان مغير الأحوال يا هند.. شوفت مين النهاردة في السوق؟”هند حطت الشغل من إيدها وبصتله: “مين يا ولد عمي؟ خير؟”حسن اتنهد وقال: “شوفت نهى.. طليقتي.
“هند قلبها دق دقة زيادة، بس ثبتت، ملامحها ماتغيرتش ولا ظهر عليها الغيرة، سألت بنبرة هادية: “جرالها إيه؟”حسن قال وهو باصص في الأرض: “جوزها اللي اتجوزته بعدي طلع راجل قاسي، أكل حقها ورمى عليها اليمين بعد ما خد قرشينها اللي حيلتها، وراكبة قطار الفقر وراجعة بيت أبوها مكسورة. شوفتها واقفة تشتري قماش من محل جمبي، وعينها جت في عيني.. انكسفت وبصت في الأرض ومشيت قوام.
“حسن سكت، وكان بيختبر رد فعل هند.. كان عايز يشوف البنت اللي شالت معاه المر هتعمل إيه لما الماضي يرجع يظهر وهو ضعيف.هند خدت نفس طويل، وقربت منه ومسكت إيده وقالت: “الدنيا دوارة يا حسن، بس احنا ولاد أصول، والست دي في يوم من الأيام كانت مرتك وعلى ذمتك.. لو احتاجت مساعدة، أو أبوها ضاق بيه الحال، ابعتلهم من برة لبرة من غير ما حد يعرف إنك أنت، ستر الناس واجب، وربنا سترنا لما كنا محتاجين الستر.
