بشري

داخل أحد المطاعم الهادئة المطلة على النيل، كان الضوء خافتاً والموسيقى الكلاسيكية تنساب في الخلفية لتعزل المكان عن صخب القهوة والموقع. كان هذا أول عشاء عمل يجمعهما بعيداً عن المكاتب الخرسانية، لمناقشة التقرير الربع سنوي الأول للمشروع الذي حقق أرقاماً فاقت التوقعات.كانت بشرى تجلس بكامل أناقتها الهادئة، تراجع بعض الأرقام على جهازها اللوحي، بينما كان جبريل يتابعها بنظراته الدقيقة التي لم تعد تخلو من الدفء والاهتمام.أغلقت بشرى الجهاز، ونظرت إليه بابتسامة عملية:ـ وبكدة يا باشمهندس، نقدر نقول إننا قفلنا المرحلة الأولى من المشروع قبل وقتها بأسبوعين، ونسبة الأرباح المبدئية تخطت الـ 20%.وضع جبريل فنجان قهوته، وسند بظهره إلى الكرسي، وقال بصوته الرخيم ونبرة تحمل تقديراً عميقاً:ـ أنا مابقتش مستغرب الأرقام دي يا بشرى.

. أنا بقيت مستغرب إزاي السوق ده كان محروم من عقليتك دي كل الفترة اللي فاتت؟ انتي إضافة لأي مكان بتدخليه، والحقيقة.. إضافة ليا أنا شخصياً.شعرت بشرى بنبضة سريعة في قلبها، لكنها سارعت برفع دروعها الدفاعية كالعادة، وقالت بنبرة حاولت جعلها حيادية:ـ ده توفيق من ربنا يا باشمهندس، ودعم بابا ليا، وشغلي هو الحاجة الوحيدة اللي مابتخذلنيش.لاحظ جبريل حذرها المعتاد، وكلمتها الأخيرة “مابتخذلنيش” لم تمر عليه مرور الكرام. مال بجسده قليلًا نحو الطاولة، وتحدث بنبرة هادئة وصادقة تماماً:ـ بشرى.

. إحنا بقالنا شهور بنشتغل مع بعض، وأعتقد إننا عدينا مرحلة زملاء العمل. أنا شايف الحصون اللي انتي بتبنيها حوالين نفسك كل ما الكلام يخرج برة الشغل. أنا مش رشاد.. ولا عمري هكون شخص بيقيس البني آدم بصفقة أو بيستخسر في شريكته نجاحها.اتسعت عينا بشرى بصدمة وخفق قلبها بعنف، لم تكن تتوقع أن ينطق باسم طليقها أو أنه يعلم تفاصيل قصتها بهذا العمق. حاولت الكلام لكن صوتها خانها، فتابع جبريل بنبرة حانية واثقة:ـ أنا سألت وعرفتك، مش فضول.

. لكن لأني حابب أفهم البني آدمة اللي خ.طفت انتباهي من أول دقيقة دخلت فيها مكتبي. الوجع اللي عشتيه خلى منك ست قوية ومبهرة، بس متخليش الوجع ده يحرمك من إنك تعيشي حياتك صح مع حد يقدر قيمتك بجد. أنا مش مستعجل يا بشرى، ومستعد أستنى لحد ما تطمني.. بس عايزك تعرفي إن وجودي في حياتك مش مجرد شراكة ورق.تلاقت أعينهما، ولأول مرة لم تكن ابتسامة بشرى باردة أو مهنية؛ كانت ملامحها متأثرة، والأسوار الحديدية التي ظنت أنها لن تسقط أبداً، بدأت تتشقق أمام نبل وطاقة الأمان التي يبثها هذا الرجل في روحها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *