بشري

أرتاحى شوية في المكتب المؤقت ونمضي العقود.داخل المكتب المتنقل المكيف، وبعد أن تم توقيع العقود وتبادل النسخ، قدم لها جبريل كوباً من القهوة السادة بنفسه. جلس أمامه ونظر إليها بجدية مشوبة بالفضول:ـ أنا بقالي سنين في السوق ده يا بشرى.. اسمعي مني، انتي خسارة للقعاد ورا المكاتب بس. عقليتك دي لو اتسابت في السوق هتاكل نص الشركات المنافسة.ابتسمت بشرى ابتسامة صغيرة، لكنها كانت تحمل مرارة قديمة لم يستطع جبريل تفسيرها. نظرت لكوب القهوة وقالت:ـ ساعات الوجع بيعلم يا باشمهندس.. وبيخلي الواحد يشوف الحاجات اللي كان عميان عنها. أنا كنت قافلة على نفسي في مكان مش مكاني، وجه الوقت اللي أرجع فيه لنفسي ولشغلي.
التقط جبريل الكلمة، وشعر بغريزته أن وراء هذه القوة حكاية خذلان كبيرة، لكنه ذكي بما يكفي ليعلم أن المرأة مثل بشرى لا تقبل الشفقة ولا تحب أن تظهر ضعيفة. هز رأسه بتفهم وقال بصوت خفيض ونبرة صادقة:ـ المهم إنك رجعتي.. والسوق مبيفتكرش اللي غاب، بيفتكر بس اللي واقف على رجليه دلوقتي. وأنا اتشرف إن أول خطوة كبيرة ليكي بعد الرجوع ده تكون معايا.نظرت إليه بشرى، ولأول مرة تشعر بأن هناك رجلاً ينظر إلى “عقلها وقيمتها” ككيان مستقل، وليس كجزء من صفقة أو مجرد واجهة عائلية. أحست بأن الأسوار التي بنتها حول نفسها بدأت تواجه اختباراً حقيقياً أمام هذا الرجل الذي يجمع بين قسوة العمل ونبل الأخلاق، وأدركت أن رحلتها مع جبريل الجيار لن تتوقف عند حدود هذا المشروع فحسب.
في الجانب الآخر في شقة رشاد الجديدة، كان الجو مشحوناً بغيوم من نوع آخر. الوقت الذي كانت فيه بشرى تبني مجداً جديداً وتستعيد بريق عينيها مع كل صفقة وكل نقاش مع جبريل الجيار، كان رشاد يعيش في دوامة من ال…
في الجانب الآخر في شقة رشاد الجديدة، كان الجو مشحوناً بغيوم من نوع آخر. الوقت الذي كانت فيه بشرى تبني مجداً جديداً وتستعيد بريق عينيها مع كل صفقة وكل نقاش مع جبريل الجيار، كان رشاد يعيش في دوامة من التوتر والمشاحنات التي لا تنتهي مع زوجته الجديدة “نهى”.الإنبهرار الأول والمشاعر المزيفة التي دفعته للتخلي عن بشرى بدأت تذوب تحت وطأة الواقع الضاغط. لم تعد نهى تلك المرأة الحالمة التي لا تطلب شيئاً، بل ظهرت حقيقتها الاستهلاكية؛ طلباتها لا تنتهي، ومقارناتها بغيرها أصبحت عبئاً يومياً على كاهله.في إحدى الليالي، جلس رشاد في الصالة ممسكاً بهاتفه، يتابع صفحة أخبار السوق والمقاولات، ليتسمر مكانه فجأة وهو يقرأ الخبراً: *”شراكة استثمارية ضخمة بين مجموعة الشناوي ومجموعة الجيار لإعمار منطقة الأصول المشتركة.
