بشري

التفتت بشرى إلى جبريل، لتجده يتقدم نحوها وعيناه تشعان بفخر غير مسبوق. وقف أمامها، ومد يده ليمسك يدها برفق وأمان، وقال بصوته العميق:ـ كنت واثق إنك أقوى من إن أي ماضي يهزك.. دلوقتي بس، نقدر نبتدي نخطط للمشروع الحقيقي اللي هيعلم على السوق كله، ومع بعض يا بشرى.ابتسمت بشرى للمرة الأولى من قلبها، وشعرت بحريتها الكاملة؛ لقد أغلقت صفحة رشاد للأبد، وفتحت ذراعيها للمستقبل بجانب رجل يعرف حقاً كيف يصون الجواهر. خرج رشاد من المكالمة وصوت صفير الهاتف في أذنه يمزق ما تبقى من كبريائه.
نظر إلى الشاشة بذهول، حاول إعادة الاتصال لكن العبارة الجافة الجاهزة صدمته: “الهاتف الذي طلبته قد يكون مغلقاً أو خارج نطاق الخدمة”. لقد وضعته في قائمة الحظر، ألقت به خارج حياتها تماماً كأنه لم يكن.شعر رشاد بالاختناق، فغادر مكتبه متوجهاً إلى منزله، وهناك كانت “نهى” في انتظاره، تمسك بمجموعة من الكتالوجات وتتحدث بنبرة متعالية:ـ رشاد، كويس إنك جيت.. أنا اخترت طقم الصالون الجديد اللي هنغير بيه الصالون القديم، وكلمت مهندس الديكور عشان ييجي يبدأ شغل من الأسبوع الجاي.نظر إليها رشاد بعيون حمراء يملأها الغل، والكلمات التي سمعها من بشرى عن “الانتحار التجاري” و”رهن الشركة” تدق في رأسه كالمطارق.
صاح فيها بصوت هز أرجاء الشقة:ـ صالون إيه وديكور إيه؟! إنتي إيه مابتفهميش؟ أنا شركتي على المحك والمشروع الجديد ممكن يضيعنى ، وإنتي كل همك المظاهر والمنظرة الكدابة؟تبدلت ملامح نهى إلى البرود والحدة وقالت:ـ جرى إيه يا رشاد؟ ما تكبرش المواضيع.. وبعدين إنت اللي اخترت، ومحدش ض.ربك على إيدك! لو مش قد الجواز ومصاريفه، كنت قعدت جنب ست بشرى بتاعتك اللي كانت راضية بالهَم!لم يتمالك رشاد نفسه، وخرجت منه الكلمة التي كانت تطبخ على نار المشاحنات طوال الأسابيع الماضية:ـ وإنتي طالق يا نهى!
مرت الأيام، وكان الندم والغيرة يأكلان قلب رشاد وعقله، لكن بدلاً من أن يدفعه هذا الندم لإصلاح نفسه، تحول بداخلة إلى رغبة انتقامية مسمومة. لم يحتمل فكرة أن تظل بشرى في العالي وهو يتخبط في مشاكله مع نهى.…
صُدمت نهى، وتحولت ملامحها إلى الغضب الأعمى، وبدأت تصرخ وتتوعده بالمحاكم والمؤخر، بينما تركها رشاد ودخل غرفته وهو يشعر بأنه يغرق في بئر من صنعه، بئر حفرة بيديه يوم أن استرخص الغالي واشترى الزيف.وفي المقابل، كانت الأجواء في شركة محمود الشناوي تتسم بالهدوء والثقة. بعد انتهاء المكالمة الحاسمة، جلس جبريل مع بشرى ووالدها الحاج محمود، الذي كان يتابع خطوات ابنته بفخر لا تسعه الدنيا.قال الحاج محمود وهو يرتشف شاي الصباح:ـ عفارم عليكي يا بنتي.

