اماني سيد

قرب وشه من وشي وهو بينهج وعينيه طالع منها شرار الغل، وهمس بفحيح سمعه كل اللي واقفين: «عجبك كده؟! عجبك العيد ميلاد اللي باظ بسببك وبسبب قلة أدبك؟! ها.. ارتحتي لما خليتينا فرجة؟!».
في اللحظة دي، وأنا وشي قريب من تراب الأرض وإيدي بتتحرك غصب عني تحت جزمة إنسانة تافهة، وجوزي دايس على كرامتي بكل قسوة.. الوجع في جسمي اتمحى، والخوف من الوحدة اتبخر تمامًا، وما فضلش غير رماد أسود لقلب ماتت فيه كل ذرة
حب أو أمل كانت باقية ليهم.
مسكت إزازة الماية بإيد بتترعش، وبصيت من شباك العربية على الطريق وإحنا بنبعد، وكان صوتي طالع مخنوق ومكسور، لكنه محتاج يفضفض بعد سنين من الكتمان. اتنهدت تنهيدة طويلة كأنها بتسحب كل الوجع اللي استقر في صدري وقولتلها:
«أنا اسمي رجاء يا سارة.. واللي شوفتيه فوق ده مش أول القصة، ده بس القاع اللي وصلتله بعد سنين خوف. الحكاية بدأت من بدري أوي، من يوم ما أمي ماتت وأنا لسه طفلة صغيرة مكملتش عشر سنين. من يومها والدنيا اتقفلت في وشي، وعلاقتي بأهل أمي اتقطعت تمامًا ومبقاش حد فيهم يسأل عني ولا يعرف أنا عايشة إزاي».
مسحت دمعة نزلت على خدي وكملت بحرقة: «عشت مع بابا، وكان هو كل دنيتي، أمي وأبويا وأخويا وسندي. ياما ناس ضغطوا عليه عشان يتجوز ويكمل حياته، لكنه رفض تمامًا.. كان دايمًا يقولي: (مستحيل أدخل عليكي واحدة تانية تكسر بخاطرك أو تحسسك إنك غريبة في بيت أبوكي). عاش علشاني، لحد ما جهزني وجوزني لسامح.. وافتكر إنه كده اطمن عليا وسلمني لأمانة هتحافظ عليا».
سكتت لحظة والخنقة زادت في زوري وأنا بفتكر أصعب يوم في حياتي: «بعد جوازي بكام شهر، بابا مات فجأة.. ومات معاه كل سند وكل ضهر ليا في الدنيا. وأهل أبويا من زمان علاقتنا بيهم ضعيفة ومحدودة جدًا ومفيش بيننا غير يا دوب سلام في المناسبات، ومليش ولا أخ ولا أخت أروح أرتمي في حضنهم وأشتكيلهم. فجأة لقيت نفسي وحيدة ومقطوعة من شجرة».
بصيت لسارة ودموعي غلبتني: «سامح وحماتي استغلوا نقطة ضعفي دي بأبشع طريقة. عرفوا إني يتيمة ومليش ضهر أتسند عليه، وبقى س\لاحهم الدايم هو تخويفي من الوحدة: (هتروحي فين لو سيبتيني؟ مين هيعبرك؟ مالكيش غيرنا). كنت ببلع الإهانة والخدمة والذل عشان خايفة أرجع ألاقي نفسي في الشارع لوحدي.. لحد ما شوفتي بنفسك النهاية اللي وصلولها الليلة دي».

