حكايات نور

عصام قعد على الأرض في الصالة المظلمة، الشنطة جنب منه، والدموع بدأت تنزل من عينيه، مش ندم، لكن خوف ورعب من المصير اللي بيستنوه. حاول يتصل بيا عشرات المرات، لكن تليفوني كان بيعطي “الهاتف الذي طلبته غير متاح حالياً”.

أنا في الوقت ده، كنت قاعدة في كافيه هادي جنب مجمع المحاكم، ماسكة كوباية شاي دافية، وبستمع للأستاذ فريد وهو بيكتب المحضر الرسمي بتمكين شقة وتأمين حق البنات، وبيرفع دعوى طلاق للضرر مرفقة بكل إثباتات التهديد والابتزاز اللي عصام مارسها عليا على مدار السنين.

الشمس كانت بدأت تغرب، والسماء أخدت لون أصفر جميل.. حسيت إن روح أبويا الله يرحمه مرتاحة، إن تعبه وسنين قضيته ما راحتش لواحد نذل وطماع. عصام افتكر إن القوة في التهديد وفي الصوت العالي وفي السرقة.. وما عرفش إن ربنا لما بياخد حق المظلوم، بياخده بتدبير لا يخطر على بال بشر.

فجأة، جالي إشعار جديد على تليفوني.. المرة دي مش من البنك، المرة دي كانت رسالة نصية من رقم عصام، بس المرة دي ما كانش فيها تهديد ولا شماتة.. كانت رسالة بصوت مكسور، كاتب فيها كلمات متقطعة بتترجى الرحمة…

لكن قطار الرحمة كان خلاص فات، والستارة بدأت تترفع على الفصل الجديد اللي هيدفع فيه عصام ثمن كل لحظة قهر عاشها غيره!
فتحـت الرسالة وأنا قاعدة في الصالون الجديد اللي أجرته للبنات بعيد عن عينيه وعن أي مكان يعرفه. كانت رسالة منه، حروفها بتترعش من الخوف والكسرة:

“ياسمين.. أرجوكي ردي عليا. أنا في مصيبة، شرطة في كل مكان وأنا محبوس في البيت مش عارف أخرج بالشنطة. وتعالي خدي فلوسك ومش عايز منها مليم، بس انقذيني من البلاغ ده.. أنا جوزك وأبو بناتك!”

ابتسمت بمرارة وأنا بقرأ جملة “أنا جوزك وأبو بناتك”. الجملة دي بالذات اللي كان بيفتكرها بس لما يحب يبتزني بيها أو يغطي بيها على طمعه. قفلت التليفون تماماً وشلت الشريحة القديمة، وحطيت شريحة جديدة ما حدش يعرف رقمها غير الأستاذ فريد المحامي.

في نفس اللحظة، كان الشارع اللي فيه بيتنا القديم مقلوب. سيارة الشرطة واقفة تحت العمارة، ومعاهم مستشار الشؤون القانونية لشركة “الراوي للمقاولات”. عصام كان واقف ورا ستارة الشباك فوق، ركبه بتخبط في بعضها، وشايف الضباط وهما نازلين من العربيات وطالعين على السلم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *