اول حاجه

في مساء اليوم نفسه، وردني اتصال هاتفي من رقم غير مسجل. عندما أجبت، جاءني صوت شريف المكسور، الخالي تماماً من تلك النبرة العالية والمتعالية التي واجهني بها في القاعة. كان صوته يرتجف، يحمل مزيجاً من التوسل والانهيار الشديد.

ـ مريم.. أرجوكي اسمعيني. أنا عارف إني أخطأت في حقك، وعارف إن اللي عملته ما يتردش.. بس بلاش تدمريني بالشكل ده. النيابة طالبت بالتحفظ على الشقة وعلى حساباتي البنكية كلها. نورهان وأهلها سابوني ورفعوا عليا قضايا عشان أورطتهم مع مجلس الإدارة.. مابقاش ليا أي حد ولا أي حاجة!

استمعتُ إلى كلماته بهدوء تام، لم يتحرك في صدري أي انفعال. كان ينصت لشفير الهاوية التي صنعها بيده.

رددتُ عليه بنبرة حازمة وباردة:

ـ شريف.. لما كنت في الإسكندرية واقفة جنب خالتي في آخر أيامها، ولما استغليت غيابي عشان ترمي هدومي وتبعتلي طلاقي في ميل، ما فكرتش لحظة واحدة في كرامتي أو في السنين اللي وقفت فيها ضهر ليك. لما مشيت بين الناس تقول إنك صنعتني وإن وجودي كان مجرد عبء عليك، كنت أنت اللي بتختار طريقك. أنا ما دمرتكش يا شريف.. أنا بس رفعت الستارة وسيبت الناس تشوف حقيقتك من غير المكياج اللي أنا كنت بجمّلك بيه.

حاول أن يقاطعني بصوت خنقته العبرات:

ـ مريم.. عشان خاطر أي ذكرى حلوة كانت بيننا، تنازلي عن المحضر بتاع النيابة المالية، وأنا مستعد أكتبلك تنازل عن كل حاجة، الشقة والمستحقات، وأخرج من البلد خالص!

ابتسمتُ بمرارة وقلت:

ـ الذكريات الحلوة أنت مسحتها لما خليت رجال الأمن يمسكوا إيدي قدام المئات ويحاولوا يرموني بره المكان اللي أنا أصلاً بملكه. الشقة والمستحقات المحكمة هي اللي هترجعها بالقانون، مش بتنازل منك. والورق اللي في النيابة دلوقتي مش ملكي لوحدي.. ده حق المئات من المساهمين اللي أنت كنت هتضيع شقا عمرهم عشان ترضي غرورك.

أغلقتُ الخط دون أن أنتظر منه رداً، وأغلقت الهاتف تماماً.

في اليوم التالي، عُقد اجتماع مجلس الإدارة الطارئ لإعادة هيكلة قطاع الاستثمار. قمتُ بتقديم المخطط الاستراتيجي الجديد لشركة “النخبة”، المخطط الذي صحح كل الأخطاء الكارثية التي تسبب فيها شريف، ووضع الشركة على مسار استثماري آمن ومربح. صفق الجميع في نهاية العرض بحرارة شديدة، ووقف الأستاذ فاروق الدمنهوري ليعلن رسمياً تعييني كرئيس لقطاع الاستثمار والمخاطر، إلى جانب حصتي كشريك أساسي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *