اول حاجه

ـ الأستاذ شريف منصور والآنسة نورهان عادل مالهمش أي صفة في القاعة دي من اللحظة دي. يتفضلوا يتفضلوا بره الحفلة فوراً.. ويا ريت تسلموا الشارة المهنية والمفاتيح الخاصة بمكتب شريف لحرس البوابة قبل ما يخرجوا.
دارت الدوائر بنفس السرعة التي لم يتوقعها أحد. نفس رجال الأمن الذين حاولوا إخراجي بصغار قبل دقائق، يقفون الآن بجانب شريف ونورهان.
نظر شريف إليّ بعينين تتوسلان، وتلاقت نظراتنا. لم أجد في نفسي شفقة، ولا شفاء غليل بالمعنى الرخيص، بل وجدتُ راحة النصر الذي جاء بحق وعدل. أردتُ أن أثبت له ولكل من صدق روايته، أن المرأة التي تختار الصمت عندما تُظلم، لا تفعل ذلك ضعفاً ولا قلة حيلة، بل تنظر للزاوية البعيدة.. تنتظر اللحظة التي يكتمل فيها فخ الغرور الذي يحفره الظالم بنفسه.
همستُ بنبرة لم يسمعها سواه وهو يُمشى به بجانبي نحو الخروج:
ـ المنظر ده محرج يا شريف.. كان المفروض تفضل بعيد.
تصلب جسده عندما سمع كلماته ذاتها تُردد في أذنه كصدى . نورهان كانت تبكي بهستيريا وهي تحاول تغطية وجهها عن عدسات المصورين الصحفيين الذين بدأوا يلتقطون الصور بكثافة بعد أن أدركوا حجم والسبق الصحفي الذي يحدث أمامهم.
خرج شريف ونورهان يُجرّان أذيال الخيبة والفضيعة وسط ممر من صمت واستحكام الحضور، بينما التفتُّ أنا نحو مجلس الإدارة والحاضرين، وفتحت أوراق المشروع الحقيقي الذي سيعيد بناء هذه الشركة على أسس صحيحة ونظيفة.
المعركة لم تنتهِ بإخراجهم من القاعة، بل كانت هذه هي الأولى فقط.. فالملف الذي ما زال في شنطتي لم يفتح كاملاً بعد، وما يحويه عن الشيكات المؤجلة والتلاعب البنكي سيتكفل بالباقي أمام النيابة العامة في صباح اليوم التالي.
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة لم تصل لعينَي، وأنا أتحرك بخطوات ثابته وواثقة فوق السجادة الحمراء الممتدة على طول الممر الرخامي، تاركةً رجال الأمن يبتعدون عني خطوتين إلى الخلف في ارتباك واضح. كان الصمت الذي خيّم على قاعة “النخبة” صمتاً أثقل من أن يتحمله شريف، الذي بدت على وجهه علامات الذهول المتداخل مع الغضب.
مشى الأستاذ فاروق الدمنهوري بخطواته البطيئة والرزينة، وعصاه الأبنوسية تضرب الأرضية الرخامية بصوت منتظم يتراكض صداه في أرجاء القاعة. وقف أمامي مباشرة، وأومأ برأسه في احترام شديد أذهل الحاضرين، قبل أن يلتفت برأسه ببطء نحو شريف الذي كان يحاول جاهداً ترميم ابتسامته المفتعلة.
