اول حاجه

تندّر شريف بصوت حاول أن يجعله واثقاً وهو يسير خطوتين للإمام، تاركاً نورهان خلفه تتشبث بكأسها المترامي في يدها المرتجفة:
ـ أستاذ فاروق.. بعتذر لسيادتك عن المهزلة دي. مريم للأسف مش قادرة تستوعب إن المكان ده مش مناسب ليها، وأنا وجهت الأمن يتعاملوا برفق عشان ما نقظش جو الحفلة المميز اللي حضرتك شرفتنا فيه.
لم يتحرك جفن في وجه فاروق الدمنهوري. ظل يشاغله بنظرة ثاقبة جعلت عروق رقبة شريف تتيبس، ثم قال الدمنهوري بصوت جهوري هزّ الثريات الكريستالية الضخمة:
ـ المكان مش مناسب ليها؟ أنت عارف أنت بتتكلم عن مين يا شريف؟ ولا غرورك عماك لدرجة إنك ما بقتش شايف مين اللي واقف قدامك؟
تراجع شريف خطوة، وتبادلت نورهان النظرات مع عدد من زوجات المديرين اللاتي كنّ قبل دقائق يتبادلن معها الضكحات والتهاني. تحول همس القاعة إلى موجة متلاطمة من التساؤلات.
أخرجتُ من حقيبتي الجلدية السوداء ملفاً أنيقاً مغلفاً بالشمع الأحمر، واستدرتُ ببطء لأواجه شريف مباشرة. رفعتُ رأسي ونظرتُ في عينيه المثبتتين عليّ بذهول. رأيت فيهما ولأول مرة منذ ستة أشهر، انكسار الثقة المطلقة التي كان يتحصن بها.
قاطعتُ الذهول المعلّق في الهواء وقلت بصوت هادئ ومسموع للجميع:
ـ شريف منصور.. مدير قطاع الاستثمار والتطوير العقاري بشركة النخبة. الرجل اللي قعد ست شهور يروج في كل اجتماع وفي كل محفل إنه هو العقل المدبر لصفقة “برج العاصمة”، وإن الشركة من غيره ما كانتش هتعدي أزمتها المالية الأخيرة.
ارتبك شريف وقال بنبرة حادة محاولاً استعادة السيطرة:
ـ مريم! اطلعي بره فوراً، اللعب ده مش هيمشي هنا، دي شركة مساهمة ومش مكان لتصفية الحسابات الشخصية!
رد الأستاذ فاروق فوراً بصوت كالرعد:
ـ اسكت يا شريف! ولا كلمة ثانية!
ثم التفت الأستاذ فاروق إليّ وابتسم بنشاز يتناقض تماماً مع قسوته مع شريف، وقال:
ـ اتفضلي يا دكتورة مريم.. القاعة كلها سامعاكي، ومجلس الإدارة جاهز يسمع التقرير اللي جيتي بسببه.
هنا، شهقت نورهان بصوت خفيض، والتفت الجميع نحوها. كلمة “دكتورة مريم” سقطت على آذان شريف كالصاعقة. هو يعرف أنني حاصلة على الدكتوراة في التحليل المالي والمخاطر الاستثمارية من جامعة لندن، لكنه كان دوماً يقلل من شأنها أمام معارفنا، متعللاً بأني مجرد “باحثة أكاديمية” لا أفهم شيئاً في سوق العمل الحقيقي.
