اول حاجه

ساد القاعة صمت مطبق. سقطت كاس نورهان من يدها لينكسر على الأرضية الرخامية، وتتناثر قطرات العصير الأحمر على حافة فستانها اللامع، لكن أحداً لم يلتفت إليها. كل العيون كانت معلقة بي وبشريف الذي انهار جدار كبريائه في ثوانٍ معدودة.

أكملتُ وأنا أستخرج من الحقيبة مستنداً آخر:

ـ مش بس كده.. الملف اللي معايا ده مش بس بيثبت السرقة العلمية والمهنية اللي قام بيها شريف منصور، الملف ده بيحتوي على كشف حسابات سرية، ووساطات غير قانونية قام بيها شريف مع شركة “أورورا” للمقاولات.. الشركة اللي بتملكها عائلة الأنسة نورهان عادل!

صدمة أخرى زلزلت المكان. انطلقت الصرخات الخفيفة والهمهمات الغاضبة بين المستثمرين رجال الأعمال الحاضرين. كانت شركة “أورورا” معروفة بسجلها المالي المشبوه، وكان دخولها كبراس مال في مشاريع النخبة أمراً محظوراً بقرار رئيس مجلس الإدارة نفسه.

شريف، بملامحه المتشنجة، صرخ فجأة محاولاً الهجوم عليّ لفظياً:

ـ أنتِ كذابة! دي تمثيلية متفق عليها! أنتِ جاية تنتقمي مني عشان سبتك! عشان ما بقتش عايزك! أنتِ واحدة حاقدة ومريضة!

لكن قبل أن يكمل جملته، خطى الأستاذ فاروق الدمنهوري خطوة حازمة ونظر إلى رئيس أمن القاعة، وقال بنبرة صارمة لا تقبل النقاش:

ـ الأمن اللي كان ماسك الدكتورة مريم من شوية.. يجي هنا فوراً.

تقدم رجل الأمن بوجل وتردد. اشار فاروق يده نحو شريف ونورهان وقال:

ـ الأستاذ شريف منصور والآنسة نورهان عادل مالهمش أي صفة في القاعة دي من اللحظة دي. يتفضلوا يتفضلوا بره الحفلة فوراً.. ويا ريت تسلموا الشارة المهنية والمفاتيح الخاصة بمكتب شريف لحرس البوابة قبل ما يخرجوا.

دارت الدوائر بنفس السرعة التي لم يتوقعها أحد. نفس رجال الأمن الذين حاولوا إخراجي بصغار قبل دقائق، يقفون الآن بجانب شريف ونورهان.

نظر شريف إليّ بعينين تتوسلان، وتلاقت نظراتنا. لم أجد في نفسي شفقة، ولا شفاء غليل بالمعنى الرخيص، بل وجدتُ راحة النصر الذي جاء بحق وعدل. أردتُ أن أثبت له ولكل من صدق روايته، أن المرأة التي تختار الصمت عندما تُظلم، لا تفعل ذلك ضعفاً ولا قلة حيلة، بل تنظر للزاوية البعيدة.. تنتظر اللحظة التي يكتمل فيها فخ الغرور الذي يحفره الظالم بنفسه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *