اول حاجه

وقبل أن أخرج من مقر الشركة في ذلك اليوم، وقفتُ أمام النافذة الزجاجية الضخمة التي تطل على المدينة. رأيت سيارة الشرطة تقف عند المدخل السفلي لنقل شريف إلى جلسة التحقيق الرسمية بعد صدور أمر الضبط والإحضار النهائي.
كانت اللحظة فارقة؛ ليس لأنني شاهدت ظالماً ينال عقابه، بل لأنني أدركت أخيراً أن الصبر على الظلم ليس استسلاماً، وأن استرجاع الحقوق عندما يأتي بالعقل والكرامة يكون أشد قوة وأبقى أثراً. أغلقتُ ملف القضية على مكتبي، واستعددتُ لكتابة الفصل الأخير من هذه الرحلة.. فصل لا مكان فيه للماضي، بل للنجاح الخالص الذي صُنع بإرادتي وحدي.
مرت ستة أشهر على ذلك اليوم الذي انقلبت فيه الموازين داخل قاعة “النخبة”. ستة أشهر كانت كفيلة بأن يعود كل شيء إلى نصابه الطبيعي، وأن تُمحى الآثار التي خلفها الغرور والزيف، ليحل محلها العدل والنجاح الحقيقي.
في القاعة التأديبية لمحكمة الجنايات الاقتصادية، صدر الحكم النهائي بحق شريف منصور بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات، مع إلزامه برد جميع الأموال المستولى عليها وغرامة مالية ضخمة تسببت في إفلاسه التام. أما نورهان عادل وعائلتها، فقد واجهوا أحكاماً بإغلاق شركتهم وتجميد أصولهم بعد ثبوت تورطهم في قضايا فساد وتسهيل الاستيلاء على المال العام. لقد تبخرت نورهان من حياة شريف في اللحظة الأولى التي أدركت فيها أنه لم يعد يملك شيئاً، ليدرك هو في محبسه أن الشخص الوحيد الذي أخلص له وسانده بصدق كان هو الشخص نفسه الذي اختار أن يغدر به ويستعين عليه بالأمن.
على الجانب الآخر، كانت شركة “النخبة للتطوير والاستثمار” تشهد مرحلة جديدة تماماً. تحت قيادتي لقطاع الاستثمار والمخاطر، حققت الشركة أرباحاً قياسية غير مسبوقة خلال النصف الأول من العام، ونجحنا في توسيع نطاق مشاريعنا لتصل إلى الأسواق الإقليمية. أصبحت صوري وتقاريري المالية تتصدر غلاف المجلات الاقتصادية المرموقة، لا بصفتي “زوجة رجل ناجح” كما كان يردد شريف، بل بصفتي العقل المدبر والمهندسة الحقيقية لكبرى الصفقات الاستثمارية في المنطقة.
في مساء يوم دافئ، أُقيم حفل سنوي جديد لشركة “النخبة” في القاعة نفسها. كانت الثريات الكريستالية الضخمة تتألق بالنور ذاته، والموسيقى الهادئة تنساب بين الحضور من كبار المستثمرين ورجال الأعمال.