اول حاجه

خطوتُ خطوة إضافية نحو المنصة الرئيسية، وفتحتُ الملف بين يديّ. لم أكن بحاجة للنظر في الأوراق؛ فكل رقم وكل فاصلة فيه كانت محفورة في ذاكرتي خلال الساعات الطويل التي قضيتها أعمل خلف الكواليس، بينما كان هو يحتفل بنجاحه المزيف.
رفعتُ بصري وقلت وأنا أتنقل بنظراتي بين الحضور:
ـ قبل ست شهور، لما شريف بَعتلي رسالة طلاقي وأنا واقفة في المستشفى جنب جثمان خالتي، كان فاكر إن المستندات اللي أخدها من مكتبي في البيت هي التقرير النهائي لتعديل الهيكل المالي لشركة النخبة. كان فاكر إن التقييم الاستثماري اللي قدمه للرئيس التنفيذي ولأعضاء مجلس الإدارة هو مجهوده الشخصي اللي سهر عليه الليالي.
التفتتُ نحو شريف وأضفتُ بنبرة حادة وباردة:
ـ بس شريف نسي حاجة مهمة جداً.. نسي إن الملفات اللي نقلها من الشقة بعد ما استولى عليها، كانت مجرد “مسودات أولية” أنا سيبتهالك عن عمد، عشان كنت عارفة إن طمعك هيخليك تاخدها وتنسبها لنفسك من غير ما تراجع التفاصيل الدقيقة اللي جواها.
بدأت أوراق الملف بين يدي تتحرك، وأخرجتُ منها وثيقة ذات ختم رسمي متألق تحت الأضواء.
تابعْتُ حديثي:
ـ في المسودة دي، كان فيه ثغرة محاسبية في تقييم أراضي مشروع “الربوة”، ثغرة لو اتطبقت على أرض الواقع كانت هتسبب لشركة النخبة خسارة تتجاوز 400 مليون جنيه، وهتعرّض الشركة للمساءلة القانونية بتهمة التلاعب في أصول المساهمين. شريف أخد المسودة، وبصمته عليها، وقدمها لمجلس الإدارة بصفته “صاحب الرؤية العبقرية”.. وهو حتى ما كلفش نفسه يفحص ارقامها!
تغير لون وجه شريف من الشحوب إلى السواد. بدأ العرق يتصبب من جبهته رغم التكييف القوي في القاعة. حاول أن يتكلم، لكن لسانه خانة، فنظر إلى نورهان وكأنه يستغيث بها، لكن نورهان كانت قد تراجعت خطوة إلى الخلف، مبتعدة عنه وكأن مرضاً أعداه أصاب المكان.
اقترب أحد أعضاء مجلس الإدارة، وهو الأستاذ عادل الشاذلي، وقال بفضول واضطراب:
ـ دكتورة مريم.. حضرتك بتقولي كلام خطير جداً، صفقة العاصمة ومشروع الربوة هما العمود الفقري لخطة الشركة للسنة الجديدة!
تطلعتُ إليه بثقة وقلت:
ـ وأنا هنا الليلة مش عشان أرمي اتهامات مرسلة يا أستاذ عادل. أنا هنا بصفتي الشريك المالي الجديد والمستشار الأول لمجموعة “الدمنهوري القابضة”، اللي استحوذت النهارجة الساعة 4 العصر على 35% من أسهم شركة النخبة للتطوير والاستثمار!
