اول حاجه

لأن اللي كان في شنطتي وقتها كان أخطر بكتير.

أدلة لو ظهرت قدام مجلس الإدارة ، كانت كفيلة إنها تنهي مستقبله المهني كله قبل ما الساعة تعدي 12 بالليل.

ابتسمتُ ابتسامة خفيفة لم تصل لعينَي، وأنا أتحرك بخطوات ثابته وواثقة فوق السجادة الحمراء الممتدة على طول الممر الرخامي، تاركةً رجال الأمن يبتعدون عني خطوتين إلى الخلف في ارتباك واضح. كان الصمت الذي خيّم على قاعة “النخبة” صمتاً أثقل من أن يتحمله شريف، الذي بدت على وجهه علامات الذهول المتداخل مع الغضب.

مشى الأستاذ فاروق الدمنهوري بخطواته البطيئة والرزينة، وعصاه الأبنوسية تضرب الأرضية الرخامية بصوت منتظم يتراكض صداه في أرجاء القاعة. وقف أمامي مباشرة، وأومأ برأسه في احترام شديد أذهل الحاضرين، قبل أن يلتفت برأسه ببطء نحو شريف الذي كان يحاول جاهداً ترميم ابتسامته المفتعلة.

تندّر شريف بصوت حاول أن يجعله واثقاً وهو يسير خطوتين للإمام، تاركاً نورهان خلفه تتشبث بكأسها المترامي في يدها المرتجفة:

ـ أستاذ فاروق.. بعتذر لسيادتك عن المهزلة دي. مريم للأسف مش قادرة تستوعب إن المكان ده مش مناسب ليها، وأنا وجهت الأمن يتعاملوا برفق عشان ما نقظش جو الحفلة المميز اللي حضرتك شرفتنا فيه.

لم يتحرك جفن في وجه فاروق الدمنهوري. ظل يشاغله بنظرة ثاقبة جعلت عروق رقبة شريف تتيبس، ثم قال الدمنهوري بصوت جهوري هزّ الثريات الكريستالية الضخمة:

ـ المكان مش مناسب ليها؟ أنت عارف أنت بتتكلم عن مين يا شريف؟ ولا غرورك عماك لدرجة إنك ما بقتش شايف مين اللي واقف قدامك؟

تراجع شريف خطوة، وتبادلت نورهان النظرات مع عدد من زوجات المديرين اللاتي كنّ قبل دقائق يتبادلن معها الضكحات والتهاني. تحول همس القاعة إلى موجة متلاطمة من التساؤلات.

أخرجتُ من حقيبتي الجلدية السوداء ملفاً أنيقاً مغلفاً بالشمع الأحمر، واستدرتُ ببطء لأواجه شريف مباشرة. رفعتُ رأسي ونظرتُ في عينيه المثبتتين عليّ بذهول. رأيت فيهما ولأول مرة منذ ستة أشهر، الثقة المطلقة التي كان يتحصن بها.

قاطعتُ الذهول المعلّق في الهواء وقلت بصوت هادئ ومسموع للجميع:

ـ شريف منصور.. مدير قطاع الاستثمار والتطوير العقاري بشركة النخبة. الرجل اللي قعد ست شهور يروج في كل اجتماع وفي كل محفل إنه هو العقل المدبر لصفقة “برج العاصمة”، وإن الشركة من غيره ما كانتش هتعدي أزمتها المالية الأخيرة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *