بعد مارجع

ابتسمت ابتسامة حزينة.
وقالت:
— ولا رسالة…
ولا صورة…
ولا حد بلغني.
استغربت المحامية.
— أمال؟
أخذت نفسًا عميقًا.
— ابني.
المحامية عقدت حاجبيها.
— إزاي يعني؟
قالت وهي تبتسم بحزن:
— يوم ما كان عنده شهرين… كان بيعاني من مغص شديد.
كنت كل ليلة أصحى أمشي بيه في الصالة.
وفي مرة…
الساعة كانت اتنين ونص بالليل.
سمعت صوت رسالة على موبايله.
كان سايبه على الكنبة.
ما كنتش ناوية أبص.
لكن الشاشة نورت.
وكان ظاهر أول سطر.
“وحشتني… إمتى هتسيبها وتيجي؟”
نزلت دمعة على خدها.
— لو الرسالة ما كانتش ظهرت قدامي…
يمكن كنت فضلت أصدقه.
المحامية سألتها بهدوء:
— فتحتي الموبايل؟
هزت رأسها.
— لأ.
— ليه؟
— لأني كنت عايزة الحقيقة تيجي منه.
لكن هو…
كل يوم كان بيكدب.
ولما لقيته بيكذب وهو باصص في عيني…
عرفت إن الحقيقة أسوأ بكتير.
في اللحظة دي…
دخل مساعد المحامية بسرعة.
ملامحه متوترة.
— أستاذة…
رفعت رأسها.
— خير؟
قال وهو يلهث:
— في حد سبقنا.
المحامية قامت.
— سبقنا في إيه؟
— حد قدّم بلاغ رسمي في التحويلات المالية قبل ما إحنا نتحرك.
اتسعت عينا الزوجة.
— مين؟
رد المساعد:
— البلاغ متقدم من شخص مجهول…
لكن كل المستندات اللي فيه…
مطابقة للمستندات اللي عندك بالحرف.
ساد الصمت.
المحامية بصت لها.
— إنتِ بعتّي نسخة لحد؟
هزت رأسها بالنفي.
— مستحيل.
ابتسمت المحامية ابتسامة صغيرة.
— يبقى في حد تاني…
كان بيجمع الأدلة معاك…
من غير ما تعرفي.
وفي نفس اللحظة…
رن هاتف الزوج.
رقم خاص.
رد بتردد.
جاله صوت رجل كبير في السن.
هادئ…
وواثق.
قال جملة واحدة:
— لو عايز تعرف مين دمرك…
اسأل أبوك عن شركة “النور للاستثمار”… واسأله ليه باع شريكه من عشرين سنة.
وانقطع الخط.
وقف مكانه كأنه اتشل.
لأن اسم الشركة ده…
ما كانش حد يعرفه…
غير أفراد العيلة فقط.
يتبع…
الفصل السادس
الحساب القديم
فضل ماسك الموبايل بعد ما المكالمة اتقفلت.
الاسم…
“شركة النور للاستثمار”.
آخر مرة سمعه كان عنده حوالي عشر سنين.
وقتها سأل أبوه وهو طفل:
— هي الشركة دي بتاعتنا؟
رد عليه بعصبية غير مفهومة:
— متجبش سيرتها تاني.
ومن يومها…
الاسم اختفى من البيت كله.
دلوقتي…
رجع يظهر بعد عشرين سنة.
خرج من الشركة وهو مش شايف قدامه.
ركب عربيته، وداس بنزين لحد ما وقف قدام فيلا أبوه.
الخدام فتح له الباب.
— البيه فوق.
طلع السلم بسرعة.
فتح باب المكتب من غير ما يخبط.
أبوه رفع عينه من الجورنال.
— خير؟
رمى الموبايل قدامه.
— شركة النور للاستثمار.
ملامح الأب اتجمدت.
بس حاول يداري.
— مالها؟
صرخ فيه:
— مين اتصل بيا النهارده؟!
الأب قام من مكانه بهدوء.
— اقفل الباب الأول.
قفل الباب.
قال الأب وهو بيبصله مباشرة:
— إنت في مصيبة؟
رد بعصبية:
— جاوبني.
تنهد الأب.
— الشركة دي ماتت من زمان.
— كدب.
— مين قالك؟
— واحد يعرف كل حاجة.
الأب فضل ساكت كام ثانية.
وبعدين قال لأول مرة:
— زمان… كان ليا شريك.
— وبعد كده؟
— حصل خلاف.
— إيه نوع الخلاف؟
الأب نزل بعينه للأرض.
— الفلوس.
في الشقة…
كانت هي بتحاول تنيم ابنها.
لكن الطفل كان بيعيط بشكل مستمر.
حملته بين إيديها.
فضلت تتمشى بيه.
وفجأة…
الجرس رن.
بصت في العين السحرية.
ملقتش حد.
فتحت الباب بحذر.
كان فيه ظرف أبيض على الأرض.
أخدته بسرعة وقفلت الباب.
أمها خرجت من الأوضة.
— مين؟
— محدش.
فتحت الظرف.
كان فيه فلاشة جديدة…
وورقة.
مكتوب فيها:
“الفلاشة اللي عندك فيها نص الحقيقة… دي فيها النص التاني.”
قلبها دق بعنف.
وصلت الفلاشة باللابتوب.
ظهر فيديو.
التاريخ…
قبل أربع سنين.
كان جوزها قاعد في مكتب فاخر.
قدامه راجل كبير.
الصورة مش واضحة.
لكن الصوت كان واضح جدًا.
الرجل قال:
— لو مراتك عرفت مصدر الفلوس… هتسيبك.
رد زوجها وهو بيضحك بثقة:
— هي بتصدق أي حاجة أقولها.
الرجل كمل:
— المهم… محدش يعرف إن جزء من رأس مال الشركة اتبنى بفلوس شريك أبوك.
الفيديو وقف فجأة.
هي حطت إيدها على بقها.
همست:
— شريك… أبوه؟
في نفس الليلة…
كان الأب قاعد لوحده في مكتبه.
فتح درج قديم.
طلع صورة باهتة.
فيها هو…
وشاب واقف جنبه.
الابتسامة مالية وش الاتنين.
دخل الابن فجأة.
لمح الصورة.
— مين ده؟
الأب حاول يخبيها.
لكن فات الأوان.
الابن خطفها من إيده.
قلب الصورة.
وكان مكتوب وراها بخط قديم:
“إلى أعز صديق… لو حصل لي حاجة، بنتي أمانة في رقبتك.”
رفع عينه ببطء.
— بنته؟
الأب غمض عينيه.
ولأول مرة…
قال الحقيقة اللي فضل مدفون بيها سنين:
— الراجل ده… كان أعز صاحب ليا.
وسبب كل اللي إحنا فيه النهارده.
وابنه الوحيد…
هو الشخص اللي بيدور علينا من عشرين سنة.
تبادل الأب والابن نظرات صامتة.
لكن في مكان آخر…
كان رجل خمسيني يجلس داخل المكتب نفسه الذي ظهر في الفيديو.
أغلق شاشة الكمبيوتر، وقال لمن يقف أمامه:
— خلاص… كل واحد فيهم عرف جزء من الحقيقة.
ابتسم ابتسامة باردة، وأضاف:
— دلوقتي يبدأ الحساب الحقيقي… لأن اللي حصل من عشرين سنة، لسه محدش دفع تمنه.
