حماتي

قلت بهدوء:
— يعني إحنا طول عمرنا مصدقين حكاية من غير دليل.
جلس جوزي على الكرسي.
وحط إيده على رأسه.
— لو عمي عايش…
يبقى هو الوحيد اللي يقدر يحل اللغز ده.
—
الفصل التاسع والعشرون
بعد يومين من البحث…
وصلنا لأول خيط.
واحد من الجيران القدام في المنطقة عرف صورة محمود.
قال وهو بيحاول يفتكر:
— الراجل ده؟
أيوه… كان بييجي هنا من كام سنة.
لكن ماكانش بيدخل البيت.
كان يقف عند آخر الشارع ويبص عليه ويمشي.
اتصدم جوزي.
— ماحاولش يكلم حد؟
العجوز هز رأسه.
— ولا مرة.
بس فاكر إنه كان بيسأل على شجرة التوت.
بصيت لجوزي.
نفس الشجرة اللي لقينا تحتها الصندوق.
يبقى محمود…
كان عارف مكانه.
لكن سابه.
ليه؟
السؤال ده فضل يلف في دماغنا طول الطريق.
—
الفصل الثلاثون
في مساء اليوم نفسه…
وأنا برتب الخطابات مرة تانية…
شد انتباهي ظرف صغير كان لازق في قاع الصندوق الخشبي.
كان أصغر من كل الخطابات.
وعليه عبارة بخط الجد:
“إذا قرأت هذا الخطاب… فاعرف أن الحقيقة ظهرت متأخرة.”
فتحناه بحذر.
كان جواه رسالة طويلة.
قرأها جوزي بصوت متقطع:
«”يا حفيدي…
لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى أنا ماقدرتش أصلح الغلط بنفسي.
أخويا محمود ماخاننيش.
بالعكس…
هو ضحى بحقه علشان ينقذ العيلة من خلاف كان ممكن يدمرها.
لو قابلته يومًا…
اسمع منه قبل ما تحكم عليه.”»
رفع جوزي عينه عن الورقة.
كان مذهول.
قال:
— يعني كل اللي كنا فاكرينه…
طلع غلط؟
حماتي مسحت دموعها.
— ظلمناه سنين…
من غير حتى ما نديله فرصة يدافع عن نفسه.
وفجأة…
رن جرس الباب.
فتحت.
كان راجل كبير في السن…
شعره كله أبيض.
وبيسند على عصاية خشب.
بص لجوزي بعين مليانة دموع.
وقال بصوت ضعيف:
— إنت ابن حسن؟
جوزي اتجمد مكانه.
— أيوه…
حضرتك مين؟
ابتسم الراجل ابتسامة حزينة.



