جوزي الطيار

قال بمرارة:
— لأن المستشفى نفسها كان فيها ناس منهم.
الكلمات نزلت عليا كأنها كابوس.
افتكرت كل الوجوه.
الممرضات.
الأطباء.
الموظفين.
كلهم بقوا محل شك.
مد إيده في جيبه.
طلع صورة قديمة.
ناولها لي.
بصيت فيها.
كانت صورة جماعية.
طاقم طبي كامل واقف قدام حضانات الأطفال.
وفي آخر الصف…
وقفت ممرضة.
وشها مألوف.
فضلت أبص لها.
وفجأة افتكرت.
دي…
دي كانت الممرضة اللي قالتلي بعد ما فوقت:
“البقاء لله.”
نزلت الصورة من إيدي.
قلت بصوت مرتعش:
— مستحيل…
رد كريم:
— اسمها هناء.
واختفت بعد أسبوع من عمليتك.
ولا حد عرف راحت فين.
وفي نفس اللحظة…
رنيت رسالة جديدة على موبايلي.
الرقم المجهول رجع تاني.
لكن المرة دي…
كان مجرد صورة.
فتحتها.
شهقت.
الصورة لطفل صغير.
عمره حوالي سنتين.
واقف في جنينة.
وبيضحك.
وفي رقبته سلسلة فضة صغيرة.
اتسعت عيني.
السلسلة دي…
أنا اللي اشتريتها.
قبل العملية بشهر.
وكان محفور عليها حرف واحد.
“م”.
آخر الرسالة كان مكتوب:
“لو عايزة تشوفيه حي…
تعالي لوحدك.
ولو بلغتي كريم…
هتكون دي آخر صورة تشوفيها ليه.”
الفصل العاشر
فضلت باصة للصورة.
إيدي كانت بتترعش.
كبرت الصورة أكتر من مرة.
يمكن أكون متوهمة.
يمكن السلسلة شبهها.
لكن لا.
كان فيها نفس الخدش الصغير اللي حصل وأنا بلفها هدية.
افتكرت اليوم ده.
كنت ماشية أنا وكريم في محل فضة.
وقلتله:
— عايزة حاجة تفضل مع ابننا طول عمره.
اختارت سلسلة صغيرة جدًا.
ونقشت عليها حرف “م”.
وقلت له:
— حتى لو اتوه مننا يوم… هنعرفه بيها.
الكلمة دي رجعت تدوي في وداني.
“حتى لو اتوه…”
اتوه فعلًا.
لكن مش يوم.
سنتين.
قفلت الموبايل بسرعة.
كريم كان لسه قاعد على الرصيف.
وشه شاحب.
واضح إنه فقد دم كتير.
قلت لنفسي:
لو الرسالة حقيقية…
يبقى لازم أتحرك.
ولو فخ…
يبقى أنا رايحة برجلي للموت.
لكن لو بلغته…
يمكن يضيع آخر أثر لابني.