جوزي الطيار

في اللحظة دي…
الطفل رفع راسه.
وبص ناحية الكاميرا مباشرة.
كأنه حس إن حد بيراقبه.
وبعدين…
ابتسم.
ورفع اللعبة اللي في إيده.
كانت لعبة طيارة صغيرة.
نفس الطيارة البلاستيك اللي كريم اشتراها قبل ما أولد بشهر.
وكان مخبيها في أوضة الطفل.
قلت وأنا حاسة إن قلبي هينفجر:
— مستحيل…
إزاي اللعبة دي معاه؟
مها بصتلي بحزن.
وقالت:
— لأن حد منكم…
كان بيوصل له هدايا طول السنتين اللي فاتوا.
لفيت ناحية كريم ببطء.
هو ما اتكلمش.
لكن نظرة واحدة في عينيه…
كانت كفاية أعرف منها…
إن فيه سر أخطر بكتير…
لسه ما اتقالش.
الفصل الثامن عشر
قال بصوت مكسور:
— أنا كنت بشوفه.
الكلمة نزلت عليا كأنها طلقة.
بصيتله بعدم استيعاب.
— إيه؟
— كنت بشوف ابننا.
اتجمدت.
فضلت باصة له يمكن يقول إنه بيهزر.
لكنه كمل وهو بيبكي.
— أول مرة شوفته كان عنده حوالي ست شهور.
وقتها كانوا بعتولي صورته.
وقالولي لو نفذت كل اللي يطلبوه…
هيسمحولي أشوفه خمس دقايق كل كام شهر.
صرخت فيه:
— وإنت وافقت؟!
قفل عينيه.
— وافقت…
لأنهم هددوني بيه.
وبيكي.
قالولي لو بلغت الشرطة…
هيختفي للأبد.
ولو قلتلك الحقيقة…
هيقتلوه قدامي.
كل مرة كنت بروحله…
كانوا يفتشوني.
وياخدوا الموبايل.
ويسمحولي أقعد معاه عشر دقايق بس.
كان فاكرني…
عمو كريم.
مش أبوه.
الجملة الأخيرة كسرتني.
قعدت على الأرض.
أنا كنت ببكي على طفل فاكرة إنه مات.
وهو كان بيعيش…
لكن من غير أم.
ومن غير أب.
وفجأة…
افتكرت اللعبة.
الطيارة.
بصيت لكريم.
— اللعبة اللي كانت معاه…
إنت اللي وديتهاله؟
هز رأسه.
— وكل عيد ميلاد…
كنت بسيبله هدية.
من غير ما يعرف مين جابهاله.
قلت بمرارة:
— وأنا؟
عمرك فكرت وأنا قاعدة في البيت بموت كل ليلة؟
رد وهو منهار:
— كنت بموت معاكي.
بس ماكانش ينفع أخسركوا أنتم الاتنين.
سكتت.
مش علشان سامحته.
لكن علشان لأول مرة…
شفت حجم السجن اللي كان عايش فيه.
في اللحظة دي…
مها قطعت الصمت.
— لو فضلنا نتكلم…
هنخسر كل حاجة.
بصت للعداد.
كان باقي أقل من ستاشر دقيقة.
فتحت خريطة المستشفى.
وشاورت على أوضة صغيرة في البدروم.
— هنا.
أرشيف الأطفال.
لكن فيه مكان أهم.
بصتلها.
— فين؟
أشارت لغرفة جنب الأرشيف مباشرة.
مكتوب عليها.
غرفة الملفات الحية.

