حين التقيت

كأن المكان كان مستخدم لسنين.
في آخر الممر…
كان فيه باب خشب.
عبدالرحمن فتحه.
واتجمد مكانه.
قلت بقلق:
“في إيه؟”
دخلت وراه…
ولما بصيت…
حسيت إن نفسي اتقطع.
الأوضة كلها…
مليانة ملفات.
كل ملف عليه اسم.
وصورة.
وتاريخ.
مئات الملفات.
أطفال.
ورجال.
وستات.
ضحايا.
الضابط قال وهو مصدوم:
“يا نهار أبيض…”
عبدالرحمن بدأ يقلب الملفات بسرعة.
وفجأة…
وقف عند ملف واحد.
كان مكتوب عليه:
رقية عبدالحميد
إيده بدأت ترتعش.
فتح الملف.
جواه صورة.
طفلة بفستان أصفر…
نفس الصورة اللي كانت معاه.
لكن…
في آخر الملف…
كانت فيه صورة حديثة.
لسيدة في أوائل الثلاثينات.
ملامحها…
هي نفس ملامح الطفلة.
عبدالرحمن همس:
“رقية…”
دموعه نزلت لأول مرة قدامي.
لكن قبل ما حد يستوعب…
سمعنا صوت تصفيق.
كلنا لفينا.
كان في راجل واقف عند باب السرداب.
لابس بدلة سوداء أنيقة.
وشعره كله أبيض.
وبيبتسم بهدوء.
وفي إيده…
عصاية سوداء برأس فضي.
نفس العصاية…
اللي شفتها أول مرة وأنا بدور على شغل.
عرفته فورًا.
هو…
الراجل اللي رشحني للعمل عند الحاجة فاطمة.
ابتسم وقال:
“أخيرًا وصلتوا.”
عبدالرحمن بصله بصدمة.
وقال بصوت مخنوق:
“عم جلال؟”
الراجل ضحك ضحكة هادئة.
ثم خلع النظارة من على عينيه وقال:
“للأسف يا عبدالرحمن…”
“عم جلال…”
“كان مجرد اسم.”
ساد صمت ثقيل.
ثم قال وهو ينظر إلينا واحدًا واحدًا:
“أنا الشخص اللي أبو مريم كان بيحاول يهرب منه.”
“وأنا الشخص…”
“اللي ربّى شريف.”
“والحقيقة اللي بتدوروا عليها من عشرين سنة…”
“بدأت بيا.”
وفي اللحظة دي…
أدركت أن شريف…
لم يكن العقل المدبر.
كان مجرد تلميذ.
أما الرجل الواقف أمامنا…
